العملات المستقرة.. معركة النفوذ بين البنوك والكريبتو
اندلعت مواجهة غير مسبوقة بين قطاع العملات المشفرة ونحو 4000 بنك محلي أمريكي.
جاء هذا في الوقت الذي تقترب فيه الولايات المتحدة من إقرار تشريع تاريخي لتنظيم العملات الرقمية وسط تحذيرات من أن القانون الجديد قد يسحب أكثر من 1.3 تريليون دولار من ودائع البنوك المجتمعية، ويهدد تمويل الشركات الصغيرة والمزارعين بقروض تصل قيمتها إلى 850 مليار دولار.
وأطلقت رابطة البنوك المجتمعية المستقلة الأمريكية (ICBA) حملة إعلانية واسعة في العاصمة واشنطن، في محاولة لإقناع المشرعين بإعادة النظر في مشروع قانون Clarity Act، الذي يضع الإطار التنظيمي لسوق العملات المشفرة في الولايات المتحدة.
وترى الرابطة أن القانون يسمح لشركات العملات الرقمية بمنح مكافآت وحوافز مالية للمستخدمين مقابل استخدام أو تحويل العملات المستقرة (Stablecoins)، وهو ما سيشجع العملاء على تحويل مدخراتهم من البنوك المحلية إلى منصات العملات المشفرة.
وتُعد العملات المستقرة نوعًا من العملات الرقمية المرتبطة بأصل ثابت، غالبًا الدولار الأمريكي، وتستخدم كوسيلة للتداول داخل أسواق الأصول الرقمية مع الحفاظ على استقرار قيمتها مقارنة بالعملات المشفرة التقليدية.
إفراغ البنوك
وتؤكد رئيسة رابطة البنوك المجتمعية المستقلة، ريبيكا روميرو رايني، أن البنوك المجتمعية توفر أكثر من 60% من قروض الشركات الصغيرة في الولايات المتحدة، إضافة إلى نحو 80% من القروض الزراعية، ما يجعلها المحرك الرئيسي للنشاط الاقتصادي في آلاف المدن والبلدات الأمريكية.
وأوضحت أن هذه البنوك تعتمد على الودائع المحلية في تمويل القروض، مضيفة أن السؤال الحقيقي هو: إذا انتقلت هذه الأموال إلى شركات العملات المشفرة، فمن سيمول الشركات الصغيرة والمزارعين مستقبلًا؟
وبينما كانت المواجهة خلال السنوات الماضية تقتصر على البنوك الكبرى مثل جي بي مورغان وشركات العملات المشفرة مثل كوين بيس، توسعت المعركة هذه المرة لتصل إلى البنوك المحلية، التي ترى أن القانون الجديد يهدد نموذج أعمالها بالكامل.
أبعاد سياسية
وفي شمال شرق ولاية لويزيانا، يقول رئيس بنك Guaranty Bank & Trust، تروي ريتشاردز، إن مؤسسته بدأت بالفعل تشعر بتأثير ازدهار العملات المشفرة، موضحًا أن نحو 40 ألف دولار خرجت من حسابات العملاء خلال الأشهر الثلاثة الماضية واتجهت إلى استثمارات في العملات الرقمية.
ورغم أن هذا الرقم لا يمثل سوى نسبة محدودة من أصول البنك البالغة 450 مليون دولار، فإنه يعتبره مؤشرًا مبكرًا لما قد يحدث إذا أصبحت شركات العملات المستقرة قادرة على تقديم عوائد أو مكافآت مالية للمستخدمين.
ويقول ريتشاردز إن منح فوائد أو مكافآت على استخدام العملات المستقرة سيؤدي إلى تسارع خروج الودائع من البنوك التقليدية، مضيفا أن انخفاض الودائع سيجبر البنوك المحلية على البحث عن مصادر تمويل أكثر تكلفة، وهو ما سينعكس في النهاية على ارتفاع تكلفة القروض وتقليص التمويل المتاح للشركات الصغيرة والمزارعين.
وأشار إلى أن شركات العملات المشفرة لا تمتلك وجودًا فعليًا داخل المجتمعات المحلية، ولا تقدم الدعم الذي توفره البنوك التقليدية للعملاء، مثل تقديم الاستشارات لأصحاب الأعمال أو رعاية الأنشطة الرياضية والتعليمية أو المساهمة في الضرائب المحلية التي تمول المدارس والخدمات العامة.
ويرى ريتشاردز أن احتفاظ شركات العملات المستقرة بجزء من احتياطياتها لدى البنوك التقليدية لن يعوض الخسائر التي ستتكبدها البنوك المجتمعية، مؤكداً أن هذه الشركات لن تضع احتياطياتها في بنك محلي صغير مثل مصرفه.
المؤيدون للقانون
في المقابل، قال الرئيس التنفيذي لغرفة التجارة الرقمية الأمريكية، كودي كاربون، إن حملة البنوك المجتمعية لا تهدف إلى حماية المستهلكين، وإنما إلى حماية نموذج مصرفي قديم من المنافسة.
وأضاف أن الصناعة تسعى إلى وضع قواعد اتحادية واضحة تنظم سوق العملات المشفرة، بما يوفر حماية للمستهلكين ويمنح نحو 70 مليون أمريكي يمتلكون أصولًا رقمية خيارًا ماليًا جديدًا ضمن إطار قانوني واضح.
أما رابطة البنوك المجتمعية فتؤكد أنها لا تعارض المنافسة، لكنها تطالب بتكافؤ الفرص، بحيث تخضع شركات العملات المستقرة لنفس القواعد التنظيمية ومتطلبات رأس المال والرقابة التي تلتزم بها البنوك التقليدية.
كما تشير إلى أن البنوك الصغيرة نجحت خلال السنوات الماضية في التكيف مع صعود شركات التكنولوجيا المالية (FinTech)، وطورت خدماتها ومنتجاتها الرقمية، لكنها ترفض منح شركات العملات المشفرة امتيازات تنظيمية تجعل المنافسة غير عادلة.
ووفقا لتقرير نشرته صحيفة "الغارديان"، تحذر البنوك المجتمعية من أن هذه الحوافز ستؤدي إلى نزوح تدريجي للودائع من البنوك الصغيرة، وهو ما سيضعف قدرتها على تمويل الاقتصاد المحلي، خاصة في المناطق الريفية والزراعية.
كما يحمل الخلاف أبعادًا سياسية، إذ يضع العديد من أعضاء الحزب الجمهوري أمام خيار صعب بين دعم إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي تسعى إلى دمج العملات المشفرة في النظام المالي الأمريكي، أو الدفاع عن البنوك المحلية والمزارعين الذين يمثلون قاعدة انتخابية مهمة للحزب.