أمريكا تعزز نفوذها بالمحيط الهادئ.. عمق استراتيجي وممرات بحرية
تتحرك واشنطن بهدوء على جبهة أخرى أكثر حساسية جيوسياسيا، في وقت تتصدر فيه قضية غرينلاند عناوين النقاش السياسي.
إذ تعزز حضورها العسكري والاستخباراتي في ثلاث دول جزرية استراتيجية في وسط المحيط الهادئ هي، بالاو وجزر مارشال وولايات ميكرونيزيا الموحدة.
وتشكل هذه الدول، المعروفة مجتمعة بدول «الارتباط الحر»، بحسب موقع ريسبونسبل ستيت كرافت، ركيزة أساسية في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية، لا سيما في ظل احتدام التنافس مع الصين على النفوذ في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وخلال جلسة استماع في الكونغرس الشهر الماضي، كشف مسؤولون في إدارة الرئيس دونالد ترامب عن توسيع العمليات العسكرية والبنية التحتية الدفاعية في هذه الدول، مؤكدين أن موقعها يمنح الولايات المتحدة عمقًا استراتيجيًا حاسمًا في مواجهة بكين.
وقال توني غريبل، المسؤول في وزارة الخارجية، إن المنطقة «تزداد أهمية لأمن الولايات المتحدة واستقرارها العالمي»، في إشارة إلى الممرات البحرية الحيوية والموارد الطبيعية التي تجعل من هذه الجزر نقطة ارتكاز رئيسية في معادلة التوازنات الكبرى.
آلية النفوذ
وتستند العلاقة بين واشنطن، وهذه الدول إلى «اتفاقيات الارتباط الحر»، وهي أطر قانونية تمنح الولايات المتحدة حقوقًا عسكرية وأمنية حصرية مقابل مساعدات اقتصادية وتنموية.
وبموجب هذه الاتفاقيات، تمتلك واشنطن «حق النقض الدفاعي» الذي يتيح لها تعطيل أي ترتيبات أمنية قد تبرمها حكومات الجزر مع أطراف أخرى، فضلًا عن «المنع الاستراتيجي» الذي يمكّنها من حظر وجود قوات عسكرية أجنبية في أراضي ومياه وأجواء هذه الدول.
وأوضح غريبل أمام الكونغرس، أن هذه «الحقوق العسكرية الحصرية» تعني أن أي قوة أجنبية ترغب في التزود بالوقود أو الرسو في هذه الدول تحتاج إلى موافقة مسبقة من الولايات المتحدة.
ورغم تذمر بعض المسؤولين المحليين من القيود المفروضة على سيادتهم، فقد جُددت الاتفاقيات عام 2024، مع تعهد أمريكي بتقديم نحو 7.1 مليار دولار على مدى عشرين عامًا، إضافة إلى امتيازات تشمل إمكانية دخول مواطني هذه الدول إلى الولايات المتحدة دون تأشيرة.
غير أن نطاق الصلاحيات الأمريكية يظل موضع نقاش. فبينما تشير تفسيرات قانونية إلى أن الحقوق الدفاعية ترتبط أساسًا بالمياه الإقليمية الممتدة 12 ميلًا بحريًا وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يميل بعض المشرعين الأمريكيين إلى توسيع هذا التفسير ليشمل المناطق الاقتصادية الخالصة التي تمتد حتى 200 ميل بحري لكل دولة.
هاجس الصين
ويتصدر التنافس مع الصين أولويات صانعي القرار في واشنطن. إذ يرى مشرعون، أن بكين تسعى إلى تقليص النفوذ الأمريكي وإعادة رسم موازين القوى في المحيط الهادئ، وسط مخاوف من توسع أنشطة شركات وأفراد صينيين في الجزر، خاصة قرب مواقع عسكرية أمريكية.
وردًا على ذلك، تعمل الإدارة الأمريكية على تعزيز بنيتها الدفاعية في المنطقة، من خلال إنشاء محطات رادار ومهابط طائرات في بالاو، واختبار أنظمة صاروخية متقدمة في جزر مارشال، وتوسيع مرافق الموانئ والمطارات في ميكرونيزيا.
كما جرى تكثيف التعاون الأمني، بما في ذلك تبادل المعلومات مع وكالة الاستخبارات المركزية، لمواجهة ما تصفه واشنطن بمحاولات نفوذ صينية.
ويؤكد مسؤولون أمريكيون أن هذه الخطوات تندرج ضمن استراتيجية الحفاظ على «منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة»، وهو الشعار الذي تتبناه الإدارة في سياق منافستها مع بكين.
تناقض الخطاب
ورغم تأكيد الولايات المتحدة أن وجودها يعزز التنمية والاستقرار، يرى منتقدون أن تمسكها بحق منع وصول قوى أخرى إلى هذه الدول وتقييد خياراتها السيادية يتناقض مع خطاب «المنطقة الحرة والمفتوحة».
وبينما تدعو واشنطن إلى احترام حرية الملاحة والانفتاح الإقليمي، تحتفظ في الوقت ذاته بسلطات واسعة تمكّنها من إغلاق مساحات شاسعة من وسط المحيط الهادئ أمام قوى أخرى.
وخلصت المجلة إلى التحرك الأمريكي في دول الارتباط الحر يتجاوز مجرد ترتيبات دفاعية تقليدية، ليعكس رهانات استراتيجية أعمق في سباق النفوذ مع الصين.
وبين اعتبارات الأمن القومي، ومتطلبات التنمية المحلية، ومخاطر المناخ المتصاعدة، تتبلور في وسط المحيط الهادئ معادلة معقدة تعيد رسم ملامح التنافس بين القوى الكبرى في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية جيوسياسيًا.