الهند والصين وجزر المحيط الهادئ.. منافسة «طموحة» في رقعة جيوستراتيجية
تتحول جزر المحيط الهادئ بوتيرة متسارعة لتصبح إحدى الساحات الرئيسية للتنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى، في ظل أهميتها المتزايدة.
هذه الأهمية الكبيرة خاصة فيما يتعلق بالترابط الرقمي والتجارة الدولية، دفعت الهند خلال السنوات الأخيرة إلى تكثيف جهودها الدبلوماسية والتنموية لتعزيز حضورها في هذه الجغرافيا البعيدة تقليديًا عن دوائر اهتمامها المباشرة، مدفوعة بإدراك متزايد لمخاطر الفراغ الاستراتيجي، وبسعي واضح لموازنة النفوذ الصيني المتنامي.
لماذا يكتسب المحيط الهادئ هذه الأهمية؟
لم تكن جزر المحيط الهادئ تمثل أولوية بارزة في السياسة الخارجية الهندية الحديثة، غير أن التحولات العميقة في بنية الاقتصاد العالمي أعادت رسم مكانتها.
تاريخيًا، أظهرت الحرب العالمية الثانية كيف يمكن لسلاسل الجزر أن تحسم الصراعات الكبرى عبر التحكم في الموانئ والمطارات وخطوط الإمداد. واليوم، ورغم اختلاف أدوات المنافسة، لا يزال المنطق الجغرافي ذاته قائمًا.
ويمر عبر المحيط الهادئ جزء كبير من طرق الشحن العالمية، بينما تعبر أكثر من 95 في المائة من حركة البيانات الدولية عبر كابلات بحرية تمتد في قاع هذا المحيط أو تصل إلى دوله الجزرية.
وبالنسبة للهند، التي يعتمد نحو 95 في المائة من حجم تجارتها على النقل البحري، ويزداد اقتصادها ارتباطًا بالتدفقات الرقمية والخدمات السحابية والمعاملات العابرة للحدود، فإن أي اضطراب في هذه الممرات أو البنى التحتية الرقمية ينعكس مباشرة على تكاليف الشحن، وأقساط التأمين، وموثوقية سلاسل الإمداد.
إلى جانب ذلك، تسيطر دول جزر المحيط الهادئ على مناطق اقتصادية خالصة شاسعة تفوق بكثير مساحتها البرية، وتُعد مصائد الأسماك فيها ركيزة أساسية للاقتصادات المحلية وإيرادات الحكومات.
إلا أن ضعف الحوكمة البحرية والرقابة يفتح الباب واسعًا أمام الصيد غير القانوني وغير المنظم، ما يؤدي إلى خسائر تُقدَّر بملايين الدولارات سنويًا، ويقوّض سيادة هذه الدول على مواردها.
النهج الهندي
في محاولة لترسيخ حضورها، أطلقت الهند عام 2014 منتدى التعاون بين الهند وجزر المحيط الهادئ (FIPIC) كإطار مؤسسي للتواصل مع 14 دولة جزرية. وتركز هذا الانخراط حتى الآن على الدبلوماسية والتعاون التنموي، ضمن مقاربة تعتمد على “القوة الناعمة” وبناء القدرات بدلًا من التمويل الكثيف للمشاريع العملاقة أو الانخراط العسكري المباشر.
وفي القمة الثالثة للمنتدى التي عُقدت في بورت مورسبي عام 2023، أعلنت نيودلهي خطة عمل من 12 نقطة شملت مجالات الصحة، والطاقة المتجددة، والتحول الرقمي، وتنمية المهارات، والتكيف مع تغير المناخ.
وترجمت هذه الخطة إلى مبادرات عملية، من بينها إنشاء مستشفى إقليمي متخصص في فيجي، ومراكز تدريب في تكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني في بابوا غينيا الجديدة، ومشاريع للطاقة الشمسية، إضافة إلى منح دراسية وبرامج دعم طبي طارئ.
يعكس هذا النهج رؤية هندية أوسع في سياستها الخارجية، تقوم على تقديم المنح والتدريب ونقل الخبرات التقنية وبناء المؤسسات المحلية، مع تجنب خلق أعباء ديون ثقيلة على الدول الشريكة.
تمتلك الهند الأدوات اللازمة لتعزيز دورها بشكل أكبر إذا ما أعادت توجيه مقاربتها. ويمكن تحقيق ذلك عبر تركيز التعاون التنموي على مجالات تعزز مباشرة القدرات الاستراتيجية لدول المحيط الهادئ، مثل سلامة الموانئ، وحوكمة مصائد الأسماك، والخدمات اللوجستية للكوارث، والبنية التحتية الرقمية المرنة، وفق المصدر ذاته.
التمدد الصيني
في المقابل، تبدو الصين أكثر حضورًا ونشاطًا في جزر المحيط الهادئ، عبر مقاربة شاملة تمزج بين الاقتصاد والدبلوماسية والأمن. فمنذ عام 2008، ضخّت بكين مليارات الدولارات في المنطقة عبر مساعدات وقروض ميسّرة لتمويل الطرق والموانئ ومباني الحكومة والبنية التحتية للاتصالات، ما جعلها أحد أكبر الشركاء والمقرضين الثنائيين لدول المحيط الهادئ.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، وسّعت الصين شبكات سفاراتها وكثفت زياراتها رفيعة المستوى، ونجحت في إقناع عدد متزايد من الدول الجزرية بتحويل اعترافها الدبلوماسي من تايوان إلى بكين خلال العقد الماضي. غير أن البعد الأمني يمثل الجانب الأكثر إثارة للقلق لدى القوى الغربية وحلفاء المنطقة.
كما شكّل الاتفاق الأمني بين الصين وجزر سليمان عام 2022 نقطة تحول مفصلية، إذ أتاح نشر قوات صينية لأغراض “المساعدة الأمنية الداخلية” والسماح للسفن الحربية الصينية بالتوقف لأغراض لوجستية، من دون إنشاء قاعدة دائمة.
ووسّعت بكين برامج تدريب الشرطة وتقديم الاستشارات الأمنية، وهو ما يرى فيه محللون وسيلة لبناء نفوذ طويل الأمد داخل مؤسسات الدولة، خاصة في دول تعاني محدودية الموارد والقدرات.
وتتداخل هذه الأبعاد مع نشاط أساطيل الصيد الصينية في أعالي البحار، مستفيدة من ضعف إنفاذ القوانين البحرية، ما يعمّق التبعية الاقتصادية ويقوّض الحوكمة المحلية، ويعيد تشكيل البيئة الاستراتيجية للمحيط الهادئ تدريجيًا دون الحاجة إلى انتشار عسكري دائم.