لقاح ثوري يدرب المناعة على منع السرطان قبل أن يبدأ
في خطوة قد تمثل تحولا جذريا في مكافحة السرطان، يستعد علماء بريطانيون لإطلاق تجربة سريرية هذا الصيف لاختبار لقاح وقائي جديد.
ويهدف اللقاح إلى منع تطور بعض أنواع السرطان لدى الأشخاص المعرضين وراثيًا للإصابة بها، وذلك عبر تدريب الجهاز المناعي على التعرف إلى الخلايا ما قبل السرطانية والقضاء عليها قبل أن تتحول إلى أورام.

ويستهدف اللقاح الأشخاص المصابين بمتلازمة لينش، وهي حالة وراثية تزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بسرطان القولون والمبيض والرحم، إضافة إلى أنواع أخرى من السرطان مثل المعدة والبنكرياس والكلى والجلد.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 175 ألف شخص في إنجلترا يحملون هذه المتلازمة، لكن نحو 5% فقط منهم يعلمون بإصابتهم بها، في حين تتسبب المتلازمة في أكثر من 1100 حالة سرطان قولون سنويًا في البلاد.
وتُعرف متلازمة لينش بأنها اضطراب وراثي ناتج عن خلل في أحد الجينات المسؤولة عن إصلاح الأخطاء التي تحدث أثناء نسخ الحمض النووي. ولا تسبب المتلازمة أعراضا مباشرة، لكنها تزيد من تراكم الطفرات الجينية داخل الخلايا، ما يرفع احتمالات تحولها إلى خلايا سرطانية.
ويحمل المشروع البحثي اسم "إنترسبت-لينش" ، وهو ثمرة تعاون بين جامعة أكسفورد وشركة موديرنا المطورة لتقنيات لقاحات الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA)، بدعم من مؤسسة أبحاث السرطان في المملكة المتحدة.
وسيحصل المشاركون في المرحلة الأولى من الدراسة على لقاح يحمل اسم "mRNA-4194"، ثم سيعمل الباحثون على تقييم مدى قدرة الجهاز المناعي على الاستجابة له، وتحديد الجرعة المثلى، ورصد مستوى الأمان والآثار الجانبية المحتملة.
ومن المتوقع أن تبدأ المرحلة الثانية من التجارب عام 2027 بمشاركة عدة مراكز بحثية وطبية في أنحاء المملكة المتحدة.

وقال البروفيسور ديفيد تشيرش، الباحث الرئيسي للدراسة وزميل أبحاث السرطان في جامعة أكسفورد، إن الأشخاص المصابين بمتلازمة لينش يواجهون خطر الإصابة بالسرطان طوال حياتهم، مشيرا إلى أن المرأة المصابة قد تتعرض لسرطان الرحم في مرحلة من حياتها ثم تصاب لاحقًا بسرطان القولون أو العكس.
وأوضح أن اللقاح صُمم لاستهداف طفرات جينية مشتركة تظهر في عدة أنواع من السرطان المرتبطة بمتلازمة لينش، ما يمنحه القدرة المحتملة على توفير حماية واسعة النطاق إذا أثبت فعاليته.
ويعتمد اللقاح على تقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA) نفسها التي استُخدمت في بعض لقاحات كوفيد-19، حيث يعمل بمثابة "دليل إرشادي" للخلايا المناعية، يعرّفها على التغيرات الجينية المرتبطة ببدايات السرطان، ويحفزها على مهاجمة الخلايا غير الطبيعية قبل أن تتحول إلى أورام مكتملة النمو.
ويرى الباحثون أن نجاح التجربة لن يقتصر على حماية مرضى متلازمة لينش فحسب، بل قد يفتح الباب أمام تطوير لقاحات وقائية ضد أنواع أخرى من السرطان، عبر تدريب الجهاز المناعي على التعرف إلى التغيرات الجينية المبكرة التي تسبق ظهور المرض.
وقال ديفيد بيرمان، رئيس التطوير في شركة موديرنا، إن استخدام تقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA)، في مرحلة مبكرة من مسار المرض يهدف إلى تسخير قوة الجهاز المناعي في الوقت الذي يمكن أن يحقق فيه أكبر تأثير ممكن، مضيفا أن المشروع قد يمثل بداية جيل جديد من اللقاحات الوقائية ضد السرطان.
ويأمل العلماء أن تؤدي نتائج هذه التجربة إلى إثبات مبدأ علمي جديد في مكافحة الأورام، يقوم على منع السرطان قبل ظهوره، بدلاً من انتظار تشخيصه ثم السعي إلى علاجه.