ليست كل الصناديق المالية مجرد أرقام واستثمارات وأرباح، فبعضها يحمل في داخله خرائط جديدة للسياسة والأمن والعلاقات الدولية.
وقّعت الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم لتمديد وقف إطلاق النار بينهما، ويتضمن الاتفاق، الذي دخل حيز التنفيذ فور التوقيع، أربعة عشر بنداً، ويُعد البند السادس من أكثر البنود إثارة للاهتمام والجدل، إذ ينص على إنشاء آلية لتمويل إعادة إعمار إيران.
وينص هذا البند على أن الولايات المتحدة، بالتعاون مع شركاء إقليميين، تتعهد بوضع «خطة نهائية متفق عليها» لا تقل قيمتها عن 300 مليار دولار أمريكي لإعادة إعمار وتنمية الاقتصاد الإيراني.
ومن المقرر استكمال الآلية التنفيذية لهذه الخطة ضمن الاتفاق النهائي خلال ستين يوماً، على أن تمنح الولايات المتحدة التراخيص والاستثناءات والأذونات اللازمة لإجراء المعاملات المالية المرتبطة بها.
ويحمل هذا الصندوق أوجهاً متعددة ومتباينة، نناقشها بين كونه محفزاً ومقوِّماً لسياسة إيران، مقابل الاختلاف حوله من داخل إيران والدول الإقليمية المستثمرة.
حافز ومقوِّم لسياسة إيران
فمن جهة، يمثل حافزاً لإيران لإتمام الاتفاق النهائي، وحل إشكالية التخلص من اليورانيوم المخصب والتعامل مع ملفه في إطار الاستخدامات السلمية.
ومن جهة أخرى، يمكن أن يشكل دعماً مهماً للاقتصاد الإيراني المتعثر إذا ما تم التوصل إلى اتفاق دائم خلال المهلة المحددة.
كما أن تدفق الاستثمارات إلى إيران قد يجعل سياساتها الخارجية أكثر ارتباطاً بمصالح شركائها الاقتصاديين، الأمر الذي قد يمنح الصندوق دوراً في تقويم سلوك النظام الإيراني وتوجيهه نحو مزيد من البراغماتية والاعتماد المتبادل.
الانقسام حوله داخل إيران
وعلى الصعيد الداخلي، قد يؤدي الصندوق إلى انقسام داخل إيران بين تيار محافظ متطرف يتمسك بالسياسات الإقليمية التقليدية العابرة للحدود، وتيار إصلاحي يرى في الصندوق فرصة لبداية تحول جديد في سلوك الدولة الإيرانية وعلاقاتها الخارجية.
فإيران، بما تمتلكه من موارد طبيعية كبيرة، وموقع جغرافي يمتد من سلطنة عُمان حتى العراق، ويجاور آسيا الوسطى وبحر قزوين، إضافة إلى قدراتها البشرية والاقتصادية والزراعية، تمثل محوراً مهماً في العلاقات الدولية والتنمية الاقتصادية الإقليمية.
مخاطر استمرار النظام الثيوقراطي
تبرز مخاوف من أن يؤدي هذا الصندوق إلى تعزيز قوة النظام الثيوقراطي في إيران، بما قد ينعكس على أمن المنطقة وسيادة الدول، فضلاً عن تأثيراته المحتملة على أمن الملاحة البحرية في مضيق هرمز وباب المندب.
حيث تتطلع الدولة اللبنانية إلى تمكين مؤسسات الدولة وتقييد نفوذ حزب الله وبناء دولة بعيدة عن الصدام مع إسرائيل والتبعية لملالي إيران.
كما يطمح اليمن إلى بناء دولته بدون الحركة الحوثية، بينما استُنزفت موارد العراق، وأصبحت الهوية الوطنية فيه تعاني الانقسام المذهبي نتيجة النفوذ الإيراني.
رؤى متضاربة
يمكن اختصار الرؤى تجاه هذا الصندوق في ثلاثة اتجاهات رئيسية:
ففي إيران من يراه تعويضاً اقتصادياً، مقابل من يعتبره أداة لتحفيز تغيير سلوكها وبناء علاقات قائمة على السيادة والاعتماد المتبادل، فيما يراه آخرون مصيدة سياسية تهدف إلى تقييد استمرار السياسات الإقليمية العابرة للحدود.
أما واشنطن، فتنظر إلى الصندوق باعتباره أداة لتعزيز فرص نجاح الاتفاق وتغيير السلوك الإيراني على المستويين الإقليمي والدولي.
وفي المقابل، قد تجد دول مجلس التعاون الخليجي في هذا الصندوق فرصة لبناء علاقات مع إيران تقوم على المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة، بعيداً عن الاستقطابات المذهبية التي استنزفت موارد المنطقة وقدرات شعوبها لعقود، وهذا لا يبدد هاجس أن الصندوق قد يقوي النظام الثيوقراطي.
وفي النهاية، يبدو أن هذا الصندوق يقف بين كونه رادعاً ومحفزاً ومغيراً محتملاً لسلوك النظام الإيراني، إذ يقوم على فكرة الردع الاقتصادي والاستثماري، ويمهد لاحتمال نشوء علاقات جديدة بعد ما يقارب سبعة وأربعين عاماً من السياسات التي استنزفت الموارد الطبيعية والبشرية في المنطقة، كما أنه يحمل خطر استمرار سلوك النظام الإيراني، وقد يزيد أيضاً من الانقسام داخل إيران حول مستقبلها في العلاقات الإقليمية والدولية.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة