سياسة

"المونوبولي" الإيراني

الأحد 2017.11.19 09:56 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 747قراءة
  • 0 تعليق

تذكرني مفاوضات الإيرانيين مع الروس والأميركان للاحتفاظ بمواقعهم التي اكتسبوها بعد سقوط العراق إثر الغزو الأميركي في سوريا والعراق واليمن، وكذلك ما تبقى لهم من مواقع خسروها في الكويت والسعودية والبحرين بلاعب المونوبولي، وهي لعبة يلعبها الأطفال والكبار مبنية على محاولة اللاعب شراء أكبر عدد من العقارات، واحتكارها، كي يستطيع أن يستخدمها للتفاوض حين الحاجة، فكلما قارب اللاعب على الإفلاس، واحتاج لسيولة يقوم ببيع عقاراته التي بإمكانه الاستغناء عنها، مقابل الاحتفاظ بعقاراته الأكثر أهمية، واللاعب الشاطر هو من يشتري عقارات أكثر من حاجته حتى إن اضطر للبيع بإمكانه الاستغناء عن بعض منها، والاحتفاظ بالأكثر أهمية.

التسويات بين اللاعبين الكبار (روسيا وأميركا) على مناطق النفوذ في سوريا تجري على قدم وساق، ومعها تتقاسم دول الحدود مناطق النفوذ أو المناطق التي تؤمن لها السلامة (الأردن وإسرائيل وتركيا) جميعهم بلا استثناء متفقون على أنه لا تسوية نهائية ستتم دون إخراج إيران وميليشياتها من سوريا، أي أن على إيران الاستغناء عن «عقاراتها» التي اكتسبتها في سوريا بالإجبار، خصوصاً أن معاقل «الدواعش» تساقطت الواحدة تلو الأخرى، والمقاتليون الأجانب كالشيشان في صفوف «النصرة» وغيرها ومعهم عائلاتهم من نساء وأطفال بدأوا في الرحيل تحت سمع وبصر الروس والأميركان، وبحمايتهم، من أجل تمام صفقة ما سمي بمناطق خفض الصراع.

هل تدرك هذه الأدوات التي تحركها إيران في عالمنا العربي أن «ميناءً» يقع على البحر الأبيض المتوسط لتصدير الغاز الإيراني يساوي عندها كل الحوثيين وأهلهم، وأن قاعدة عسكرية على حدود البحر المتوسط ممكن أن تبيع من أجلها شيعة البحرين؟

ووفقاً لما نقلته جريدة «الشرق الأوسط» يوم الثلاثاء الماضي، فإنه «يدور الجدل بصورة رئيسية حول الفقرة من البيان التي تتحدث عن توقيع كل من الأردن وروسيا والولايات المتحدة مذكرة في عمّان حول منطقة خفض التصعيد جنوب - غرب سوريا، في 8 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي». ويقول البيان بهذا الخصوص إن «المذكرة تعزز نجاح المبادرة لوقف إطلاق النار، بما في ذلك تقليص الوجود، وفي نهاية المطاف إبعاد القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب من المنطقة، من أجل ضمان سلام دائم». وقال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية إن «المذكرة تعكس تمسك روسيا والولايات المتحدة والأردن باستبعاد وجود أي قوات غير سورية (أجنبية) في المنطقة». وأضاف، وفق ما نقلت عنه «ريا نوفوستي» أن «هذا يشمل القوات الإيرانية والميليشيات المدعومة من إيران، مثل (حزب الله) اللبناني، وكذلك (الجهاديين) الأجانب في صفوف (جبهة النصرة) وغيرها من مجموعات متطرفة في المنطقة». وأكد أن «روسيا وافقت في الفقرة الأخيرة على العمل مع النظام السوري لإبعاد الميليشيات المدعومة من إيران عن المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة وعن الحدود مع الأردن، وهضبة الجولان».

كما كشف موقع «ديبكا» الاستخباراتي، عن بدء الجيش الروسي بناء قاعدة في بلدة خربة رأس الوعر قرب بئر القصب في البادية السورية بريف دمشق. وأشار الموقع الاستخباراتي إلى أن روسيا شرعت في بناء قاعدتها الجديدة في بلدة رأس الوعر جنوب شرقي سوريا بمساعدة قوات إيرانية، بالتزامن مع انطلاق مباحثات سرية بين روسيا وأميركا في العاصمة الأردنية (عمان) توصلت فيها إلى عقد مذكرة تفاهم لإقامة «منطقة آمنة» بين دمشق والأردن، ونصت في أحد بنودها على إبعاد «القوات غير السورية»، في إشارة إلى «الحرس الثوري الإيراني» و«حزب الله»، نحو 30 كيلو متراً من حدود الأردن. لكن مذكرة بعثت بها فصائل «الجيش الحر» إلى روسيا، طلبت إبعاد حلفاء إيران 50 كيلو متراً من الأردن.

ما علاقة المونوبولي بهذه الصفقة، وما علاقتها بالتصعيد الأخير في المنطقة بالصاروخ الذي أُطلِق على الرياض وأنبوب النفط الذي فُجِّر في البحرين، وما علاقة هذا كله بالبيان الذي صدر في عمان؟

إيران تفتح باب التفاوض حول «العقارات» التي تدعي ملكيتها في لبنان وسوريا واليمن والبحرين، وقد تُحرك بعضاً من أدواتها في بعض دول الخليج، وكلهم بالنسبة لإيران عرضة للبيع والمساومة، بمن فيهم حسن نصر الله، إن استدعى الأمر، للاحتفاظ بالأصول الأساسية التي لا يجب أن تُمس، فهي تفاوض من أجل عدم فرض عقوبات اقتصادية، وتفاوض من أجل عدم المساس بالحرس الثوري الإيراني، وتفاوض من أجل الاحتفاظ بموقعها في سوريا والعراق واليمن، إنما كي تفاوض على جميع تلك العقارات عليها أن ترفع من قيمتهم، أن ترممهم، أن تظهر بأنها ما زالت تمتلك أوراق ملكيتهم، كي ترفع من سعرهم حين عرضهم للمقايض.

التصعيد الذي حدث فجأة في اليمن وفي البحرين وفي القطيف يوم 6 و7 و8 نوفمبر هو تذكير لمن اجتمع في عمان لصياغة البيان بأن إيران لديها «أملاك» مستعدة للتنازل عنها بمقابل مكاسب، وأنها لن تسمح بإخراج «القوات الأجنبية» من جنوب سوريا، بل ممكن أن تفاوض على ذلك «العقار السوري» الذي اشترته إيران بثمن غالٍ، مقابل عقارات معروضة للبيع بالجملة كالبحريني وربما اليمني وربما القطيفي.

فهل تدرك هذه الأدوات التي تحركها إيران في عالمنا العربي أن «ميناءً» يقع على البحر الأبيض المتوسط لتصدير الغاز الإيراني يساوي عندها كل الحوثيين وأهلهم، وأن قاعدة عسكرية على حدود البحر المتوسط ممكن أن تبيع من أجلها شيعة البحرين؟

نقلا عن "الشرق الأوسط"

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات