سياسة

احتجاجات البصرة وأذرع الملالي

الثلاثاء 2018.9.11 09:22 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 472قراءة
  • 0 تعليق
 يوسف الديني

لا يمكن قراءة اتهام مستشار المرشد الإيراني، العميد حسين دهقان، للسعودية بـ«التحريض» ضد طهران في البصرة، وأن ثمة «فتنة كبيرة» تقودها السعودية، إلا بكثير من السخرية والابتهاج. وأعتقد أنه يجب أن تقرأ ضمن تأثيرات السعودية الإيجابية في المنطقة، خصوصاً على المستوى السياسي الخارجي، والتحولات الداخلية المهمة والعميقة، سواء في القطيعة مع التطرف من جهة، والانفتاح على العالم والمشاريع التنموية، والتأكيد على الاستثمار في الإنسان السعودي قبل أي شيء من جهة أخرى. كما أن التأثيرات السعودية هي تعميم مسألتين على المستوى الخارجي؛ الأولى: أهمية وفضيلة الاستقرار السياسي، والحفاظ على مكون ومنطق الدولة، والثانية: تعميم سياسة الاعتدال على مستوى التعامل مع القضايا الإقليمية، والنموذج الداخلي والخارجي هو مشروع مضاد لمشروع إيران، والدول التي تسير في ركبها، أو المنظمات والأذرع التي تعمل عبر توجيهها، كـ«حزب الله» والحوثيين، فهي تنظيمات ضد الاستقرار، وآخر ذلك تقويض الحالة اللبنانية بسبب تعنت «حزب الله»، أو ما يفعله الحوثيون من تجريف الحالة اليمنية، وتأخير حلها، وآخرها ما حدث من عبث تجاه مفاوضات جنيف.

ما يحدث في البصرة لم يكن سوى انتفاضة الخبز مقابل الأيديولوجيا، بعد أن كان سؤال الخبز في فترات تاريخية يطرح ضد سؤال الحرية

ما يحدث في البصرة من احتجاجات، بلغت ذروتها بخطاب القطيعة مع ملالي طهران من خلال رمزية استهداف القنصلية في المدينة، هو الذي استدعى تصريح الخارجية الإيرانية، ومطالبة الرعايا بمغادرة المدينة، بل التصريح بأنه عمل وحشي وهمجي. ورغم هذه التأثيرات السياسية، فإنه يجب ألا تتم قراءته فقط سياسياً، ولا حصره بالحالة العراقية فحسب، بل يجب التفكير فيه في إيران ولبنان واليمن، وكل الدول التي مستها أذرع الملالي بسوء، حين لعبت على تصدير الثورة، وإعادة تأسيس الدولة على هويّة ودوافع أيديولوجية، برافعة التشيع السياسي لا الديني، ليأتي ذلك كله على حساب الدولة والتنمية، وتوفير الحد الأدنى من العيش الكريم للناس الذين لن يلتفتوا إلى الأيديولوجيا إذا بلغت الأوضاع حال القاع، فسؤال الخبز كثيراً ما ينتصر على أجوبة الأيديولوجيا، وهو ما شهدناه في أكثر من موقع.

أسئلة الخبز اليوم لا تقف عند التناول الماركسي أو اليساري، الذي لم يتطور وتحول إلى أيديولوجيا متكلسة، فالمسألة باتت اليوم هي رغبة الإنسان المعولم الحديث في العيش وفق إطار مدني وحضاري، مبني على احترام نوازعه الجديدة: الخدمات، وعيش الرفاه، وتحسين الأوضاع.

تطورت أسئلة الخبز اليوم، شكلاً ومضموناً، وأصبحت مرتبطة بوضعية العيش الكريم، وليس شعارات الأيديولوجيا التي ما عادت تخضع المواطنين، حتى البسطاء منهم، بسبب أن مصادر التلقي للشارع العربي لم تعد القنوات الرسمية، أو خطابات الزعماء التمجيدية؛ أصبح الناس، خصوصاً أن أغلب الأجيال الجديدة في البلدان العربية من جيل الشباب، مرتبطون بقيم العولمة، سواء في متابعة الإعلام أو الميل إلى الفردانية والعيش الكريم والاستقرار. كما أنه يدرك مفاهيم تحسين الأوضاع الاقتصادية، والمنافسة في سوق المال، والتفاصيل الاقتصادية، وكل ما يستلزم لمعالجة الآثار المترتبة على الفقر المدقع، وانتشار الأمية والجريمة، وأن الأيديولوجيا أو القناعات المتطرفة دينياً أو سياسياً لن تحل هذه التحديات، فالقطيعة مع الإسلام السياسي الشيعي المتطرف نتيجة حتمية سيصل إليها عقلاء المجتمعات الشيعية، كما هو الحال مع انهيار مشروع الإسلام السياسي السني.

خلاصة القول: إن التحرير الاقتصادي يجب أن يسبق الإصلاح المفاهيمي، والتخلص من الشعارات والطائفية المنكفئة على الذات والمعادية للعالم. وعلى المستوى الاقتصادي، فإن ذلك الانفتاح أيضاً مهم جداً على مستوى الخصخصة والإصلاحات الاقتصادية المتوازنة.

هناك موجة ثانية من الربيع العربي، لكنها ليست ذات مضامين سياسية، بل اقتصادية متصلة بالرفاه والخدمات. وأعتقد أن تقييم تجربة الربيع العربي بالثورة السياسية هو محل جدل ونظر، وبحاجة إلى تأمل وقراءة عميقة، فالخطابات الاحتجاجية التي تطورت لاحقاً إلى تمرد الشارع لم تكن بسبب أوضاع اقتصادية، فالجماهير العريضة في مجملها هي من الطبقة الوسطى الصاعدة، بينما كان قلق وخوف الطبقات المهمشة والمسحوقة اقتصادياً أكبر، ولأنها تشعر بالذعر من مجرد التغيير، كانت الإشكالية هي في الأداء العام للدولة، ونقد للممارسة السياسية التي هي شكلانية ديمقراطية تخفي تحتها عيوباً كبيرة، من حكم النخب الضيقة، والفساد المستشري والمحسوبيات، إضافة إلى أن تلك الدول لم تقدم تجارب اقتصادية ناجحة، كما هو الحال في التجربة الصينية التي تحاول النجاح اقتصادياً، دون أي تطور على مستوى الخطاب السياسي، وهو ما لم يحدث في دول الثورات. بمعنى آخر، لم تقم بتحرير السوق، واستقدام الشركات الأجنبية، كان أداءً جيداً، وإن كانت العوائد لا تجد طريقها إلى الناس. الغضب العربي إذن كان في اعتقاد الشعوب أنها تدار من قبل حكومات غير جيدة أكثر من كونه مرتبطاً بالأداء الاقتصادي التفصيلي، أو حتى نقد المفاهيم السياسية.

احتجاجات البصرة، وكل الاحتجاجات في عالم اليوم، موضوعية، فهناك أسباب على الأرض تدفع الناس للغضب، لكن تتحول هذه الاحتجاجات إلى مشاريع انقلابية حين يتم تسييسها كخطاب تقويضي للدولة، أو استغلالها وقمعها من قبل خطابات مضادة، أو التمييز المناطقي أو الجهوي.

ينبغي على إيران أن تكف عن نشر الفتن في المنطقة، وأن تهتم بأحوال مواطنيها الذين جوعتهم من أجل أهداف بائسة خارجية، وأن تكون مثل السعودية في تجربتها في الحياد مع مواطنيها. وأذكر هنا مثالاً صارخاً: بعد أن قامت الدولة بإزالة أوكار الإرهاب وسط بلدة العوامية، بمحافظة القطيف، شرق السعودية، تمت إزالة 488 وحدة سكنية متفاوتة المساحات، وتعويض أهلها بمبالغ كبيرة لهدف يتصل بخدمتهم، عبر تطوير الحي ومواكبته للتنمية، بعد أن استغلته بعض المجموعات المتطرفة لتجنيد الشبان الصغار.

ما يحدث في البصرة لم يكن سوى انتفاضة الخبز مقابل الأيديولوجيا، بعد أن كان سؤال الخبز في فترات تاريخية يطرح ضد سؤال الحرية.

نقلا عن "الشرق الأوسط"

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات