بوادر «ثلث معطل».. هل ينجح المالكي في عبور اختبار البرلمان؟
بإعلان قوى «الإطار التنسيقي» ترشيح زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي لرئاسة الحكومة، بدا أن مسارًا طويلًا من التجاذبات يشرف على النهاية، لكن ذلك قد لا يكون صحيحًا.
ويفتح إعلان ترشيح المالكي فصلًا جديدًا من الصراع حول هوية رئيس الوزراء المقبل، وحدود القبول الداخلي والخارجي به.
فعلى الرغم من أن الإطار التنسيقي، بوصفه الائتلاف الشيعي الحاكم وصاحب الكتلة البرلمانية الأكبر، حسم خياره رسميًا لصالح المالكي، إلا أن الطريق أمامه لا يبدو «معبّدًا بالورد»، في ظل غياب الإجماع الشيعي، وتنامي التحفظات السنية، وتداخل الحسابات الكردية، فضلًا عن تأثير الإرادات الإقليمية والدولية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
انقسام بالمعسكر الشيعي
وكشفت مصادر سياسية شيعية مقربة من الإطار التنسيقي لـ"العين الإخبارية"، الأحد، أن جلسة الليلة الماضية في مكتب زعيم منظمة بدر والقيادي في الإطار هادي العامري شهدت تجاذبات قوية، حيث امتنع كل من زعيم حركة عصائب أهل الحق قيس الخزعلي (30 مقعدًا)، وزعيم تيار الحكمة عمار الحكيم (18 مقعدًا)، عن التصويت، إضافة إلى موقف معارض أبداه تحالف «خدمات» بزعامة شبل الزيدي (9 مقاعد)، فضلًا عن تحفظ رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي.
وبحسب المصادر، فإن "هذا الانقسام، وإن لم يمنع إعلان الترشيح رسميًا، إلا أنه يعكس هشاشة التوافق الشيعي، ويطرح تساؤلات جدية حول قدرة الإطار على الحفاظ على وحدة موقفه حتى لحظة التصويت داخل البرلمان، خصوصًا في حال تصاعد الضغوط السياسية أو تغيّر موازين التحالفات".
وأضافت المصادر أن اعتراض الخزعلي والحكيم لا يقتصر على شخص المالكي بقدر ما يرتبط بالمخاوف من إعادة إنتاج نموذج حكم مركزي صدامي، كما حصل في عهد المالكي خلال ولايتيه من 2006 حتى 2014، قد يعمّق الانقسامات الداخلية ويعيد العراق إلى أجواء الاستقطاب الحاد، في وقت يحتاج فيه البلد إلى تهدئة سياسية وإدارة توازنات دقيقة.
الأرقام وحدها لا تكفي
من الناحية الدستورية، لا يحتاج تمرير رئيس الوزراء إلى أغلبية الثلثين، بل إلى الأغلبية المطلقة (النصف زائد واحد)، ما يمنح الإطار التنسيقي هامشًا مريحًا نسبيًا، شريطة نجاحه في استقطاب حلفائه من القوى السنية والكردية.
إلا أن الباحث في الشأن السياسي سراج محمد العبادي يحذّر من أن الأزمة لا تتعلق بالأرقام وحدها، بل بـ«آليات التعطيل السياسي»، وعلى رأسها شبح «الثلث المعطّل»، الذي قد يعود ليفرض نفسه مجددًا، كما حدث عقب انتخابات 2021، عندما أدى تفسير المحكمة الاتحادية لشروط انعقاد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية إلى شلل سياسي استمر أشهرًا.
ويؤكد العبادي لـ"العين الإخبارية" أن اختيار الرئاسات الثلاث يتم تقليديًا ضمن «سلة واحدة»، ما يعني أن أي تعقيد في ملف رئاسة الجمهورية، ولا سيما مع استمرار الخلاف الكردي، سينعكس تلقائيًا على مسار تكليف رئيس الوزراء، حتى لو كان مرشح الإطار جاهزًا من الناحية الشكلية.
تحفظات سنية
على الضفة السنية، أثار ترشيح المالكي قلقًا واضحًا، عبّر عنه رئيس حزب «تقدم» محمد الحلبوسي (33 مقعدًا)، الذي حذّر من العودة إلى «أيام عجاف مؤلمة»، في إشارة فهمها كثيرون على أنها اعتراض مباشر على إعادة المالكي إلى رئاسة الحكومة.
ويقول عضو تحالف تقدم سعود المشهداني إن "قوى سنية تخشى من أن تؤدي عودة المالكي إلى إحياء ملفات الخلاف القديمة، خصوصًا تلك المرتبطة بإدارة الملف الأمني، والعلاقة مع المحافظات السنية، والتوازن داخل مؤسسات الدولة".
وأضاف لـ"العين الإخبارية" أنه "رغم إعلان بعض القوى السنية، مثل تحالف العزم بزعامة مثنى السامرائي، دعمه للمسار الدستوري وترحيبه بترشيح المالكي، إلا أن هذا الدعم يُقرأ في سياق براغماتي مرتبط بالحصول على ضمانات سياسية وإدارية، أكثر منه قناعة كاملة بالمرشح".
من جانبه، شدد رئيس مجلس النواب السابق محمد الحلبوسي على ضرورة احترام الاستحقاقات الدستورية ونتائج العملية الانتخابية، محذرًا من تكرار تجارب التعطيل التي أثبتت فشلها سابقًا، ومؤكدًا أن أي حكومة لا تقوم على شراكة حقيقية وتوافق وطني ستكون مهددة منذ لحظتها الأولى.
الموقف الكردي
في المقابل، أبدت القيادات الكردية الكبرى، وفي مقدمتها مسعود بارزاني وبافل طالباني، ترحيبًا واضحًا بترشيح المالكي، وسط حديث عن تفاهمات مسبقة تتعلق بملفات النفط والميزانية والمناطق المتنازع عليها.
ويرى محللون أن الدعم الكردي لا ينطلق من تقييم سياسي لتجربة المالكي السابقة بقدر ما يرتكز إلى حسابات المصالح وضمانات الشراكة، في إطار صفقة سياسية شاملة تهدف إلى تسريع تشكيل الحكومة وتجنب فراغ دستوري طويل.
واعتبرت مصادر سياسية كردية لـ"العين الإخبارية" أن تأييد زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني لترشيح المالكي هو نكاية بزعيم حزب تقدم محمد الحلبوسي، وذلك بعد تصاعد الخلافات بين الرجلين خلال الأشهر الماضية.
وأضافت المصادر أن "بارزاني كان في عهد المالكي أول المتضررين من السياسات التي اتخذها الأخير ضد الإقليم، لكن هذه المرة قدّم ضمانات خلال زيارته إلى أربيل عقب إجراء الانتخابات البرلمانية في نوفمبر الماضي".
هل يعود الثلث المعطل مجددًا؟
ويستحضر المشهد السياسي الحالي تجربة عام 2021، حين تبنى المالكي خيار «الثلث المعطل» في مواجهة زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، ما حال دون تشكيل حكومة «الأغلبية الوطنية» التي كان يسعى إليها الصدر بالتحالف مع محمد الحلبوسي ورئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني.
ويُنتخب الرئيس العراقي بأغلبية الثلثين، وتعطيل انتخابه كافٍ لتعطيل الاستحقاقات الدستورية اللاحقة، بما فيها انتخاب رئيس الوزراء.
ورغم فوز التيار الصدري آنذاك بـ73 مقعدًا في الانتخابات البرلمانية، إلا أن الانسداد السياسي دفع الصدر لاحقًا إلى الانسحاب من العملية السياسية، في خطوة شكّلت نقطة تحول كبرى في المشهد العراقي.
ويقول الباحث والخبير في الشؤون السياسية علاء النجار لـ"العين الإخبارية" إن "تكرار سيناريو الثلث المعطل قد يدفع العراق مجددًا نحو أزمة طويلة الأمد، ما لم تنجح القوى السياسية في تجاوز حساباتها الضيقة والذهاب نحو تسوية شاملة تضمن تشكيل حكومة مستقرة قادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية".
وأضاف النجار أن "إمكانية عودة الثلث المعطل بوجه المالكي ليست مستبعدة، فإذا حصل تحالف بين الخزعلي والحكيم والحلبوسي وقوى سياسية كردية وشيعية أخرى، يمكن أن يشكل ذلك قائمة تشكل الثلث المعطل، وبالتالي يلزم الأمر استبدال المالكي بمرشح جديد".
وتابع: "يبدو أن الخزعلي والحكيم وشبل الزيدي من الطرف الشيعي سيقودون حراكًا سياسيًا في الأيام المقبلة مع الحلبوسي والشيخ خميس الخنجر، زعيم تحالف السيادة (9 مقاعد)، بالإضافة إلى التوجه باتجاه حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة بافل طالباني".
ويعتقد النجار أن "الإطار الشيعي ارتكب خطأ كبيرًا في إعادة ترشيح المالكي في ظل ما يشهده العراق من مشكلات اقتصادية وسياسية، وكذلك أوضاع المنطقة التي ربما تنفجر في أي لحظة".
والمالكي، البالغ من العمر 75 عامًا، يُعد من القيادات البارزة في حزب الدعوة الإسلامي الشيعي، وقد شغل منصب رئيس وزراء العراق لفترتين متتاليتين بين عامي 2006 و2014، وهي فترة شهدت أعمال عنف طائفية حادة وصراعات على السلطة مع خصوم من السنة والأكراد، إلى جانب تصاعد التوترات مع الولايات المتحدة.
وقد تنحى المالكي عن السلطة بعد سيطرة تنظيم «داعش» الإرهابي على مساحات واسعة من العراق عام 2014، إلا أنه، وعلى الرغم من الاتهامات القديمة الموجهة إليه بتأجيج الانقسامات الطائفية والفشل في منع سقوط أجزاء كبيرة من البلاد بيد التنظيم، ظل فاعلًا مؤثرًا في المشهد السياسي. ويرأس المالكي ائتلاف «دولة القانون»، كما حافظ على علاقاته الوثيقة مع الفصائل المدعومة من طهران.
وكان البرلمان العراقي قد انتخب، الشهر الماضي، رئيسًا له ونائبين، ووفقًا للدستور العراقي، يتعين عليه خلال مدة لا تتجاوز 30 يومًا انتخاب رئيس جديد للجمهورية، على أن يقوم الأخير بتكليف الكتلة البرلمانية الأكبر بتشكيل الحكومة.
وبحسب العرف السياسي السائد في العراق منذ عام 2003، يُسند منصب رئاسة الوزراء إلى شخصية شيعية، ورئاسة البرلمان إلى شخصية سنية، بينما يذهب منصب رئاسة الجمهورية، الذي يُعد إلى حد كبير منصبًا تشريفيًا، إلى شخصية كردية.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTQxIA== جزيرة ام اند امز