على خطى «القبعة المتكلمة».. القوة الناعمة جسر تشارلز إلى واشنطن
عندما يقف الملك تشارلز الثالث هذا الأسبوع أمام جلسة مشتركة للكونغرس خلال زيارته الرسمية للولايات المتحدة، فإنه لا يؤدي مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل يستحضر سابقة نادرة في تاريخ العلاقات عبر الأطلسي.
ففي العام 1991 خاطبت الملكة الراحلة إليزابيث الثانية الكونغرس، لكن في وقت كانت العلاقة بين واشنطن ولندن في ذروتها، عقب حرب الخليج، وفي سياق ما وصفه مؤرخو السياسة البريطانية بـ“اللحظة الذهبية” لما يُعرف بـ“العلاقة الخاصة” بين البلدين.
لكن خطاب تشارلز يأتي، حسب مجلة "تايم"، في سياق مختلف جذريًا، تتشابك فيه التوترات الجيوسياسية والضغوط الداخلية على التحالف الغربي، ما يجعل العودة إلى خطاب إليزابيث ليس مجرد استدعاء تاريخي، بل قراءة في أسلوب دبلوماسية التاج البريطاني حين يبلغ العالم ذروة اضطرابه.
ووصل الملك تشارلز عاهل بريطانيا وعقيلته كاميلا إلى الولايات المتحدة الإثنين في زيارة تستغرق أربعة أيام.
وهذه الزيارة الرسمية لها أهمية خاصة، وجاء توقيتها بمناسبة مرور 250 عاما على إعلان الولايات المتحدة استقلالها عن الحكم البريطاني، وهي أول زيارة أيضا يقوم بها ملك بريطاني إلى الولايات المتحدة منذ نحو عقدين.
وستبدأ الزيارة بعقد اجتماع خاص مع الرئيس دونالد ترامب، الذي يقول إنه من محبي العائلة المالكة، وتتضمن إلقاء تشارلز خطابا أمام الكونجرس وإقامة مأدبة عشاءً فاخرة على شرفه في البيت الأبيض.
خطاب 1991: تثبيت التحالف في لحظة انتصار
وكان خطاب إليزابيث الثانية في الكونغرس في مايو 1991 قصيرًا لكنه محمّل بالدلالات السياسية. فقد جاء في أعقاب حرب الخليج الأولى، حيث شاركت بريطانيا إلى جانب الولايات المتحدة بقوات كبيرة، في مشهد أعاد ترسيخ فكرة العمل المشترك داخل النظام الدولي الغربي.
ووقفت الملكة أمام الكونغرس لتؤكد رمزية التحالف، مقدمة شكرًا مباشرًا للشعب الأمريكي على ما وصفته بالالتزام المشترك خلال “قرن مضطرب”.
وفي هذا السياق، ركزت إليزابيث على القيم المشتركة بدل السياسات الآنية، مقدمة الكونغرس والبرلمان البريطاني باعتبارهما تعبيرًا عن إرث حضاري واحد.
هذه اللغة، وفق قراءات لاحقة لخبراء في السياسة الدستورية، لم تكن احتفالية فقط، بل كانت أيضًا محاولة لترسيخ مفهوم التحالف بوصفه بنية دائمة تتجاوز تغير الإدارات والظروف.
خطاب تشارلز: دبلوماسية تحت ضغط الانقسام الغربي
في المقابل، يأتي خطاب تشارلز الثالث في سياق أكثر تعقيدًا وتوترًا. فالزيارة التي تتزامن مع احتفالات تاريخية مشتركة بين البلدين، تتم في ظل خلافات عميقة داخل الحلف الغربي، وتباينات سياسية بارزة بين واشنطن ولندن.
وقد جعلت التوترات المرتبطة بالحرب الجارية مع إيران، إلى جانب الانتقادات العلنية التي طالت القيادة البريطانية من داخل دوائر سياسية أمريكية، من الزيارة اختبارًا دقيقًا للدبلوماسية الملكية.
في هذا المناخ، لا يبدو خطاب تشارلز امتدادًا احتفاليًا لخطاب والدته بقدر ما يبدو محاولة لإعادة ضبط الإيقاع بين ضفتي الأطلسي. فالمهمة لم تعد الاحتفاء بذروة التحالف، بل محاولة منع تآكله تحت ضغط الانقسامات السياسية الراهنة.
وتشير تقديرات دبلوماسية إلى أن الملك سيعتمد نهجًا مشابهًا لنهج إليزابيث، عبر التركيز على القيم والمؤسسات بدل الخلافات السياسية المباشرة، مع إعادة التأكيد على أهمية استمرار التعاون داخل حلف شمال الأطلسي.
إرث خطابي: من الانتصار إلى إدارة الانقسام
خطاب إليزابيث حظي بأهمية مستمرة، إذ لم يكن مجرد تعليق على لحظة انتصار، بل تأسيسًا لقاعدة خطابية تستند إلى فكرة “ما بعد السياسة اليومية”. فقد حذرت الملكة في حينه من النزعات الانعزالية، مؤكدة أن قوة التحالف الغربي تنبع من العمل المشترك لا من الانغلاق.
هذه الرسالة، التي بدت في حينها تأكيدًا على مرحلة استقرار دولي، تعود اليوم لتكتسب دلالات جديدة في سياق تصاعد النزعات الانعزالية داخل السياسة الأمريكية.
في المقابل، يواجه تشارلز تحديًا مختلفًا يتمثل في كيفية الحفاظ على هذا الإرث الخطابي في لحظة تتسم بالانقسام السياسي. فبينما كانت والدته تخاطب جمهورًا في حالة انسجام استراتيجي، يخاطب هو جمهورًا منقسمًا حول طبيعة التحالف نفسه، وحول أولوياته في عالم مضطرب.
إلى جانب الجوهر، أتقنت إليزابيث إدارة اللحظة بأدوات لا تخلو من الذكاء العاطفي والثقافي. فقد افتتحت خطابها بنكتة عن حادثة الميكروفون التي أخفت وجهها خلال مراسم الاستقبال، قائلة للكونغرس وسط ضحكات الحضور: "آمل أن تتمكنوا من رؤيتي اليوم من مكانكم"، في إشارة حولتها الصحافة إلى لقب "القبعة المتكلمة".
هذه اللمسة المرحة أذابت الجليد فوراً ومهدت الطريق لتصفيق حار من جميع الأطياف. كما عززت خطابها باقتباس من قصيدة "السمات الإنجليزية" للشاعر الأمريكي رالف والدو إيمرسون عام 1847، في تلاق ثقافي يختزل عمق الجذور الأدبية المشتركة.
ويجمع الخبراء على أن تشارلز، المعروف بولعه بالآداب والفنون، سيحذو هذا الحذو حتماً، موظفاً إشارات أدبية وقوة ناعمة ثقافية لبناء الجسور في "وقت متقلب للغاية".