سياسة

الموقف الدولي من إعادة توحيد ليبيا

الإثنين 2019.4.8 10:07 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 488قراءة
  • 0 تعليق

في صباح 10 مايو 2018 بتوقيت المملكة المتحدة اعتذرت الحكومة البريطانية على لسان رئيسة الوزراء، والمدعى العام أمام مجلس العموم البريطاني للإرهابي عبدالحكيم بلحاج أحد عملاء قطر وتركيا في طرابلس، وأحد قيادات القاعدة سابقاً، ومليشيات الإخوان حاليا، وأكبر لصوص ليبيا الذي أسس شركة طيران خاصة (الأجنحة) بالأموال المنهوبة بعد سقوط القذافي، ومسؤول التنسيق بين الفصائل الليبية والرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

تمحورت مهمة السياسي الليبي في دور محدد هو إجهاض محاولات بناء الجيش الوطني الليبي، وتفكيك ما تم جمعه من شتات الأقاليم والمناطق والمدن والقبائل الليبية، والعودة مرة أخرى إلى مرحلة هيمنة المليشيات الدينية والقبلية والجهوية، وظل ذلك السياسي الليبي يقوم بهذه المهمة بكل إتقان

وجاء الاعتذار البريطاني غير المسبوق عن أفعال قامت بها المخابرات البريطانية MI6 عام 2004 حين خطفت من تايلاند عضو القاعدة الهارب من أفغانستان عبدالحكيم بلحاج وزوجته السيدة فاطمة بودشار التي كانت حاملا حينها، وتم تسليمهما للقذافي الذي أفرج عنه بعد مدة قصيرة.

هذا الاعتذار الذي قامت به سلطات الدولة البريطانية الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية يجب أن يتم الوقوف عنده؛ لأن السياسة البريطانية دقيقة الحسابات، كل أفعالها تتم بحكمة شديدة تأخذ جميع المتغيرات في الحسبان. إن هذا الاعتذار من السلطات البريطانية الثلاث هو عملية تبييض سياسي لعبدالحكيم بلحاج، فبعدها لا يستطيع أحد أن يصفه بالإرهاب أو الفساد؛ لأن بريطانيا ستعوضه بمبلغ نصف مليون جنيه إسترليني عن انتهاك حقوق إنسان شريف غير متهم أو مدان. فهل حدثت عملية التبييض السياسي لعبدالحكيم بلحاج ليتم إعداده لمواجهة الجيش الوطني الليبي عند دخول طرابلس كما تم إعداده سابقا لمواجهة القذافي؟

بالأمس القريب عندما أوشك الجيش الوطني الليبي على تحرير مدينة درنة في الشمال الشرقي لليبيا من تنظيمات داعش والقاعدة المتحالفة مع تنظيم الإخوان الفاشل، والتي تعمل جميعها لتنفيذ أجندة الحكومتين التركية والقطرية، مع بداية عملية تحرير درنة انعقد مجلس الأمن الدولي ليناقش الوضع الإنساني في درنة.. وكأن ما يقوم به الجيش الوطني الليبي هو الذي يُخشى منه على الوضع الإنساني، وما كانت تقوم به العصابات المجرمة من قتل للأبرياء في ليبيا ومصر هو الإنساني عينه، وهو القانوني نفسه, لذلك لم يحرك مجلس الأمن الدولي له ساكناً منذ ثماني سنوات، واليوم ينعقد مجلس الأمن مع بداية عملية تحرير طرابلس العاصمة من المليشيات العميلة لتركيا وقطر، التي عاثت في الأرض فسادا طوال السنوات الثماني الماضية, ينعقد مجلس الأمن لمناقشة الوضع الإنساني في طرابلس، هو ذات المجلس الذي رفض أن ينظر في الوضع الإنساني في غزة مرات عديدة، وفشل في الوصول لموقف يطالب بحماية المدنيين العزل من آلة الحرب الصهيونية العنصرية التي تمارس التطهير العرقي، ولم ير فيما يجري في غزة وكل فلسطين منذ ثلاثة أرباع القرن شيئا يستحق أن يكون إنسانيا، ويتطلب موقفا إنسانياً.

كلا الموقفين من تحرير درنة وتحرير طرابلس كانت الشعارات الإنسانية يتم توظيفها لاستمرار الحرب، وإطالة مدتها، والحفاظ على جذوة اشتعالها؛ حتى تستمر المواقف الإنسانية تذرف دموع التماسيح على الضحايا، وتتأسف على المواقف الوحشية لجميع الأطراف، هو نفس الموقف الذى عبر عنه محمد مرسي رئيس مصر الأسبق والقائد الأعلى لجيشها في ذلك الوقت, عندما خطفت مجموعة من الإرهابيين شديدي الإجرام جنودا مصريين في سيناء، فتحدث مطالباً قوات الجيش أن تحافظ على أرواح الخاطفين والمخطوفين، فقدم الخاطفين على المخطوفين؛ لأن هناك لعبة سياسية معينة كان يقوم بها هو وجماعته تجعل الخاطفين والمخطوفين بيادق على رقعة شطرنج. الموقف نفسه اتخذه الفاعلون الدوليون المؤثرون مع درنة وطرابلس، المهم أن تتم المحافظة على الخاطفين والمخطوفين لتحقيق أهداف عليا...فما هي يا ترى هذه الأهداف التي تجعل الحروب ضرورة للبعض يقاتل من أجل استمرارها؟

وفي هذه اللحظة الحاسمة في التاريخ الليبي المعاصر، وبعد ثماني سنوات من الفوضى، والتمزق السياسي، والانقسام الجهوي، يتم إضفاء الشرعية المصطنعة دوليا، المفقودة داخليا على فايز السراج، الذي تم وضعه على رأس المجلس الرئاسي في ليبيا، ثم تم منحه الشرعية الدولية، ثم صار هو الوحيد المعبر عن ليبيا، كل ذلك على الرغم من أنه لم يكن سياسيا له تجربة مع الحكم السابق، أو مع المعارضة، ولم يكن من المفكرين أو الشخصيات العامة الليبية.

تمحورت مهمة السياسي الليبي في دور محدد هو إجهاض محاولات بناء الجيش الوطني الليبي، وتفكيك ما تم جمعه من شتات الأقاليم والمناطق والمدن والقبائل الليبية، والعودة مرة أخرى إلى مرحلة هيمنة المليشيات الدينية والقبلية والجهوية، وظل ذلك السياسي الليبي يقوم بهذه المهمة بكل إتقان، فمع كل نجاح للجيش الوطني الليبي يتخذ من القرارات والإجراءات الظاهرة والخفية ما ينال من دور الجيش الوطني، ويعيد الأمور في ليبيا إلى الوراء.

وها هو اليوم يواصل دوره فى آخر لحظة من عمر الأزمة الليبية تنفيذا لتوجيهات إقليمية ودولية.

نقلاً عن "الأهرام"

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات