قمة سانتا مارتا تفتح ملفا ساخنا.. «الانتقال العادل للطاقة» في الصدارة (حوار)
تنعقد العديد من الآمال على قمة سانتا مارتا؛ فهل تنجح؟
انطلقت فعّاليات المؤتمر الدولي الأول للانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري (TAFF) في مدينة سانتا مارتا بكولومبيا يوم الجمعة 24 أبريل/نيسان الجاري وتستمر حتى يوم 29 من نفس الشهر، وهو المؤتمر الذي اتفقت الأطراف في الأيام الأخيرة من الدورة الثلاثين من مؤتمر الأطراف المعني بتغير المناخ (COP30) في بيليم بالبرازيل على انطلاقه باستضافة مشتركة بين دولتي هولندا وكولومبيا في مدينة سانتا مارتا.
ويُخصص المؤتمر مساحة للنقاش حول السياسات المأمولة لتحقيق الانتقال العادل بعيدًا عن الوقود الأحفوري؛ دعمًا لتحقيق دعوة COP28 في إكسبو دبي بالإمارات العربية المتحدة في نهاية العام 2023.
- نقطة مضيئة في COP30.. إدراج آلية «الانتقال العادل» وسط أزمة «الأحفوري»
- «الانتقال العادل».. مبادرات إماراتية تدعم العمل المناخي في COP28
محاولات للانتقال
يهدف المؤتمر في المقام الأول لترسيخ آليات قائمة على أسس علمية وإصدار تقرير موحد حول حلول عملية للانتقال، إضافة إلى خطط مُلزمة للتحرك من النقاشات إلى التنفيذ الفعلي؛ ولعل أبرز أهداف المؤتمر تشكيل "تحالف الدول الراغبة" أو "تحالف الراغبين" (Coalition of the Willing)، وهي الدول التي قررت التحرك لتقليل أو إيقاف الوقود الأحفوري معًا.
وقد صرحت آنا توني، الرئيسية التنفيذية لـCOP30 للصحفيين بأنّ مفاوضات الأمم المتحدة قد "تستغرق وقتًا طويلًا"، ما يجعل قمة سانتا مارتا عملية مُكملة تعزز "إبقاء النقاش حول الانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري عن أعلى المستويات السياسية". ومن جهة أخرى، تعمل البرازيل بالفعل على خارطة طريق منفصلة للانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري، ومن المقرر عرض تلك الخارطة قبل COP31، وتجدر الإشارة أيضًا إلى أنّ الخارطة تستند إلى استنتاجات ومخرجات سانتا مارتا إضافة إلى المساهمات المُقدمة من الدول والجهات المعنية الأخرى.
وتُعلق "فيرناندا دي كارفاليو" (Fernanda de Carvalho)، رئيسة قسم سياسات المناخ والطاقة العالمية في الصندوق العالمي للطبيعة (WWF)، قائلة لـ«العين الإخبارية» إنه "يمكن للدول بناء هذا الزخم من خلال "تحالف الفاعلين" (Coalition of Doers) -كما يسميه البعض- وهو مجموعة ملتزمة من الدول الراغبة في الانتقال من النقاش إلى التنفيذ". وتتابع موضحة أنّ "هذا يعني الإعلان عن خطط وطنية لا تتضمن إصدار تراخيص جديدة، وتحويل الدعم المقدم للوقود الأحفوري إلى انتقال عادل، ووضع جداول زمنية واضحة لتقليل الاعتماد عليه، بما يتماشى مع الالتزامات القائمة بمضاعفة الطاقة المتجددة ثلاث مرات ومضاعفة كفاءة الطاقة".
ويهدف تعهد مضاعفة الطاقة المتجددة 3 مرات ومضاعفة كفاءة الطاقة إلى دعم الانتقال نحو مصادر الطاقة المتجددة، وقد خرج التعهد من COP28، وبالفعل، شهد العالم في 2025، تقدمًا ملحوظًا في قطاع الطاقة المتجددة؛ ففي خلال النصف الأول من عام 2025، ازداد معدل إنتاج الطاقة الشمسية بمعدل نمو وصل إلى 31%، وهو يُعادل 306 تيراواط/الساعة، ومن جانب آخر، ارتفع معدل نمو إنتاج طاقة الرياح بنحو 7.7%؛ أي ما يُعادل 97 تيراواط/الساعة. وتؤكد تلك المؤشرات على التوّجه العالمي نحو مصادر الطاقة المتجددة والاستثمار فيها؛ فهي مربحة من ناحية، ومن ناحية أخرى، تدعم استدامة الكوكب.
التمويل ضروري
بالطبع؛ فإنّ التحالفات وحدها لا تكفي، وإن اعتزمت النوايا الصادقة لتحقيق ذلك؛ فالأمر يتطلب دعمًا لوجيستيًا وتمويلًا كافيًا، وهذا ما توضحه دي كارفاليو في حوارها مع «العين الإخبارية»؛ إذ تقول إنه "لضمان عدالة وسرعة في عملية الانتقال، لا بد من تمويلها؛ إذ يجب دعم الدول النامية بصورة مناسبة، وعلى الدول المتقدمة توفير التمويل اللازم للاستثمار في الطاقة النظيفة وحماية المجتمعات والعمال".
وهنا نُشير إلى أنّ التمويل المناخي لا يزال أحد المعضلات ونقطة اختلاف ساخنة بين الأطراف في مؤتمرات الأطراف المعنية بتغير المناخ؛ ويحتدم النقاش حولها كل عام؛ خاصة فيما يتعلق بتمويل التكيّف المناخي، والذي دعا نص المونتراو الصادر عن COP30 إلى مضاعفة تمويل التكيّف 3 مرات، لكنها ما زالت دعوة في طور المناقشة لم تدخل محل التنفيذ بعد، على الرغم من أنّ تمويل التكيّف المناخي من شأنه أن يدعم الانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري ويعزز الاستدامة، ويساعد المجتمعات على الصمود لفترات أطول حتى تتفق الدول على خطط واضحة ومُلزمة فيما يتعلق بقطاع الطاقة.
حاجة للتنسيق
وتبرز في المؤتمر أيضًا حملة ضغط عالمية لدعم معاهدة دولية مقترحة وتحويلها إلى معاهدة رسمية معتمدة، وهي "معاهدة عدم انتشار الوقود الأحفوري" (Fossil Fuel Non-Proliferation Treaty)، وهي معاهدة تقوم على 3 محاور رئيسية، وهي: عدم التوسع في مشاريع الوقود الأحفوري والتقليل التدريجي من إنتاجه ودعم الدول الفقيرة والنامية للانتقال العادل بدون أن تتأثر اقتصاديًا. وتُشير "فيرناندا دي كارفاليو" في حديثها مع «العين الإخبارية» إلى المعاهدة، قائلة إنه "من شأن معاهدة عدم انتشار الوقود الأحفوري أن توفر إطارًا ملزمًا لإدارة عملية الانتقال التدريجي من الوقود الأحفوري من كلا الجانبين: العرض والطلب"، وتُضيف أنّ "هذا سيُساعد الحكومات على تنسيق انتقال عالمي مُنظم وعادل".
اتفاقات ملموسة
ومع تواجد نحو 60 دولة في فعاليات سانتا مارتا للنقاش حول مستقبل الانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري، برزت بعض الدول الحاضرة، وعلى رأسها البرازيل؛ باعتبارها الحاملة لرئاسة COP30، إضافة إلى تركيا وأستراليا؛ باعتبارهما الدولتان المُستضيفتان لـ COP31. وبالفعل، أبدت العديد من الدول دعمها لقمة سانتا مارتا؛ خاصة الدول التي تُعاني من تهديد وجودي بسبب تأثيرات التغيرات المناخية التي قادت إلى ارتفاع منسوب المياه، ما يُهدد غرقها، وقبيل انعقاد المؤتمر، أطلقت مجموعة من دول جزر المحيط الهادئ إعلانًا يدعو إلى "محيط هادئ خالٍ من الوقود الأحفوري" (fossil fuel-free Pacific)، تلك الدول الجزرية التي طالما نادت بخطة عمل ملزمة للانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري والحد من متوسط درجات الحرارة العالمية عند 1.5 درجة مئوية مقارنة بمستويات عصر ما قبل الصناعة؛ للحفاظ على بقائها.
وعلى الرغم من ذلك، إلا أنها ما زالت اقتصاداتها تعتمد بصورة كبيرة على واردات الوقود الأحفوري باهظة الثمن، ما يجعلها بحاجة ماسة إلى تمويل مناخي يدعمها للانتقال نحو مصادر الطاقة المتجددة.
وتوضح "فيرناندا دي كارفاليو"، قائلة لـ"العين الإخبارية" إنّ "التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري لأمر صعب، ويتطلب تحولًا اقتصاديًا واسع النطاق وتعاونًا دوليًا حقيقيًا. لذا، يجب ألا يركز مؤتمر سانتا مارتا على تحديد أهداف جديدة - أو إعادة صياغة أهداف قديمة - بل على الاتفاق على الخطوات العملية التي تحول "الانتقال العادل في مجال الطاقة" إلى واقع ملموس".
مسؤولية الدول المتقدمة
ولنقل الخطط إلى واقع ملموس؛ فهناك الكثير من العمل والتدابير التي يجب اتخاذها لحماية الناس، وإمداد الدول النامية والأقل نموًا بالقدرات التكنولوجية والتمويل لدعم الانتقال العادل المُنظم بعيدًا عن الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة المتجددة. وفي هذا الصدد، تُوضح فيرناندا دي كارفاليو لـ "العين الإخبارية" أنّ هناك بعض التدابير التي يجب اتخاذها لحماية الناس، وتطرح بعضها: "سياسات العمل والسياسات الاجتماعية التي تدعم العمال والمجتمعات خلال عملية التغيير". وتؤكد دي كارفاليو أنّ ذلك يعني أيضًا وضع جدول زمني موثوق للانتقال من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة المتجددة، مع تقليص عمليات التنقيب الحالية تدريجيًا.
وتختتم دي كارفاليو حوارها مع «العين الإخبارية»، مشددة على دور الدول المتقدمة، مُصرحة بأنه "يجب أن تكون الدول المتقدمة قدوة وأن تُقدم الدعم المالي والفني للدول النامية"، من جانب آخر؛ فإنه "يجب على المؤسسات المالية الدولية أن تضطلع بدورها، وأن تُواءم محافظها الاستثمارية مع أهداف المناخ، وأن تفي بالتزاماتها المتعلقة بتمويل المناخ بالسرعة والنطاق المطلوبين".