العملات المستقرة تقتحم قلب النظام المالي وتقترب من عتبة التريليون
تشهد العملات الرقمية المستقرة تحولا جذريا في دورها داخل النظام المالي العالمي، بعدما تجاوزت قيمتها السوقية 310 مليارات دولار.
وقد انتقلت بذلك من كونها مجرد أداة لتسوية صفقات العملات المشفرة إلى بنية تحتية مالية تستخدم في المدفوعات والتحويلات الدولية وإدارة السيولة والأصول الرقمية.
ويعتقد عدد متزايد من المؤسسات المالية العالمية أن هذا السوق قد يتجاوز حاجز التريليون دولار خلال السنوات المقبلة، إذا توافرت البيئة التنظيمية المناسبة واستمر التوسع في الاستخدامات العملية.
حجم السوق
تتفاوت التقديرات بشأن حجم السوق المستقبلي، إلا أنها تشترك في رؤية واحدة، وهي أن العملات المستقرة أصبحت جزءاً متزايد الأهمية من النظام المالي العالمي.
في حين تتوقع جيه بي مورغان أن تتراوح القيمة السوقية بين 500 و600 مليار دولار بحلول عام 2028، تتوقع كوين بيز وصولها إلى 1.2 تريليون دولار في العام نفسه، بينما ترفع ستاندرد تشارترد تقديراتها إلى تريليوني دولار، وتتوقع سيتي غروب نطاقاً يتراوح بين 1.9 و4 تريليونات دولار بحلول عام 2030.

في حين يرى وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن السوق قد يبلغ 3 تريليونات دولار قبل نهاية العقد.
ورغم هذا التفاؤل، يؤكد محللون أن التشريعات وحدها لن تكون كافية لتحقيق هذه الطفرة. فاللوائح التنظيمية توفر الإطار القانوني الذي يسمح بدخول المؤسسات المالية الكبرى، لكنها لا تخلق الطلب الحقيقي.
ويظل نمو السوق مرتبطاً بمدى توسع استخدام العملات المستقرة في المدفوعات اليومية، والتجارة الإلكترونية، والخدمات المصرفية، والأصول المرمزة، والتحويلات عبر الحدود.

وتكشف البيانات أن القيمة السوقية الحالية البالغة أكثر من 310 مليارات دولار تتوزع بين نحو 284.5 مليار دولار من العملات المدعومة بالنقد أو السندات الحكومية، مقابل نحو 25.5 مليار دولار فقط من العملات المدعومة بأصول رقمية أو الخوارزميات.
ويعكس ذلك هيمنة العملات المرتبطة بالدولار الأمريكي على السوق، إذ تمثل الخيار المفضل للمؤسسات والمستخدمين الراغبين في الاحتفاظ بقيمة مستقرة داخل الاقتصاد الرقمي.
كما يظهر توزيع الإصدارات أن السوق لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الجهات الخارجية للولايات المتحدة، حيث تبلغ قيمة العملات المستقرة الصادرة خارجها نحو 203 مليارات دولار، مقابل أكثر من 86 مليار دولار فقط داخل الولايات المتحدة، وهو ما يعكس تأثير الفوارق التنظيمية بين الأسواق المختلفة.

نطاق النشاط
ولا تعكس القيمة السوقية وحدها حجم النشاط الحقيقي، إذ يرى الخبراء أن أحجام المعاملات تمثل مؤشراً أكثر دقة على تبني هذه العملات.
فقد سجلت المدفوعات عبر سلاسل الكتل رقماً قياسياً جديداً خلال عام 2026، مع وصول حجم المعاملات الشهرية إلى نحو 10.6 تريليون دولار، مقارنة بنحو 3.9 تريليون دولار في ذروة نشاط سوق العملات المشفرة عام 2021.
كما ارتفع إجمالي حجم المعاملات السنوية إلى نحو 28 تريليون دولار خلال عام 2025، قبل أن يسجل 52 تريليون دولار خلال النصف الأول فقط من عام 2026، وهو ما يعكس معدل نمو سنوي مركب يبلغ نحو 133% منذ عام 2023.

ويتوقع محللو Chainalysis أن يصل حجم المدفوعات السنوية المعدلة إلى نحو 719 تريليون دولار بحلول عام 2035 إذا استمرت وتيرة النمو الحالية، بينما قد يرتفع إلى نحو 1.5 كوادريليون دولار في حال تحقق عاملان رئيسيان، هما الانتشار الواسع للدفع عبر نقاط البيع، وانتقال الثروات الضخم من الأجيال الأكبر سناً إلى جيل الألفية والجيل "زد"، الأكثر تقبلاً للأصول الرقمية.
ويؤكد التقرير أن هذه الأرقام تتعلق بحجم المدفوعات السنوية وليس بالقيمة السوقية للعملات المستقرة، إذ يمكن للعملة الواحدة أن تستخدم مرات عديدة خلال العام، ما يجعل حجم المعاملات يفوق بكثير إجمالي المعروض المتداول.
قانون جينيوس
وعلى الصعيد التنظيمي، يمثل قانون جينيوس GENIUS الأمريكي نقطة تحول مهمة، إذ يضع إطاراً قانونياً واضحاً لتنظيم العملات المستقرة، بما يشمل متطلبات الاحتياطيات، والجهات المصدرة، وحقوق الاسترداد، ومعايير الإفصاح والرقابة.
ويُنتظر أن يدخل القانون حيز التنفيذ في يناير/كانون الثاني 2027، رغم تأخر الجهات التنظيمية الأمريكية في إصدار بعض اللوائح التنفيذية المتعلقة بمكافحة غسل الأموال والتحقق من هوية العملاء.

وفي أوروبا، دخلت قواعد MiCA الخاصة بالأصول المشفرة حيز التطبيق الكامل، ما دفع عدداً من منصات التداول إلى تقييد أو إلغاء تداول بعض العملات غير المتوافقة مع المعايير الأوروبية، بينما حصلت عملات مثل USDC وEURC على موافقات تنظيمية، في خطوة تستهدف بناء سوق أكثر استقراراً وخضوعاً للرقابة.

ويرى الخبراء أن المستفيدين الرئيسيين من انتشار العملات المستقرة سيكونون الحكومات، بفضل زيادة الطلب على سندات الخزانة المستخدمة كاحتياطيات، إضافة إلى الشركات المصدرة التي تحقق إيرادات من استثمار هذه الاحتياطيات، فضلاً عن الشركات والأفراد الذين سيستفيدون من انخفاض تكاليف التحويلات وتسريع عمليات التسوية المالية.

في المقابل، قد تواجه البنوك التقليدية تحديات متزايدة إذا انتقل جزء من الودائع المصرفية إلى العملات المستقرة، ما قد يرفع تكلفة التمويل ويؤثر في هوامش أرباحها، كما قد تتعرض شركات تحويل الأموال وصناديق أسواق النقد لمنافسة قوية مع اتساع استخدام المدفوعات الرقمية.


