تنظيم سوق العملات المشفرة.. حدث تاريخي في بريطانيا
تستعد المملكة المتحدة لإطلاق واحدة من أكبر عمليات تنظيم سوق العملات المشفرة في تاريخها.
فقد أعلنت هيئة السلوك المالي البريطانية (FCA) عن حزمة واسعة من القواعد الجديدة التي ستخضع بموجبها شركات الأصول الرقمية لإشراف رقابي صارم، في محاولة لإضفاء مزيد من الاستقرار على قطاع شهد نمواً سريعاً، لكنه ارتبط أيضاً بمخاطر مرتفعة وعمليات احتيال وخسائر كبيرة للمستثمرين.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تمثل نقطة تحول رئيسية في سياسة بريطانيا تجاه الأصول الرقمية، إذ تسعى الحكومة إلى تحقيق توازن بين تشجيع الابتكار المالي والحفاظ على استقرار النظام المالي وحماية المستثمرين. كما يتوقع خبراء أن تصبح المملكة المتحدة واحدة من أكثر الأسواق تنظيماً للعملات المشفرة في أوروبا، وهو ما قد يدفع شركات القطاع إلى تطوير أنظمة إدارة المخاطر والامتثال الرقابي، ويزيد من ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية في السوق البريطانية، دون أن يغير من الطبيعة عالية المخاطر التي تميز الاستثمار في العملات الرقمية.
ووفقاً للقواعد الجديدة، التي تدخل حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2027، ستصبح شركات العملات المشفرة العاملة في المملكة المتحدة مطالبة بإثبات قدرتها على مواجهة الصدمات المالية وتقلبات الأسواق، إضافة إلى الاحتفاظ برؤوس أموال كافية لتغطية المخاطر المرتبطة بالأصول الرقمية التي تمتلكها، وهو ما يمثل تحولاً جذرياً في طريقة تنظيم هذا القطاع.
توسعات عالمية
ونقل تقرير نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية عن المدير التنفيذي المسؤول عن المدفوعات والتمويل الرقمي في هيئة السلوك المالي البريطانية، ديفيد جيل، إن الإطار التنظيمي الجديد يمثل أول منظومة رقابية متكاملة للعملات المشفرة في المملكة المتحدة.
وأضاف: "للمرة الأولى أصبح لدينا إطار تنظيمي شامل للعملات المشفرة في بريطانيا، يغطي كيفية تداول الشركات للأصول الرقمية، وطريقة حفظها، وآليات تقديم الخدمات للمستهلكين، إضافة إلى إدارة المخاطر."
وأوضح أن اللوائح الجديدة تستند إلى المبادئ نفسها التي تطبقها الهيئة على باقي قطاعات الخدمات المالية، مشيراً إلى أن المخاطر المتشابهة يجب أن تخضع للمعايير الرقابية ذاتها، بغض النظر عن طبيعة النشاط أو التكنولوجيا المستخدمة.
احتياطيات للصدمات
كما تلزم الهيئة الشركات بإجراء اختبارات ضغط سنوية لقياس قدرتها على الصمود في مواجهة الأزمات الاقتصادية والانهيارات الحادة في الأسواق المالية، مع تقديم نتائج هذه الاختبارات إلى الجهة الرقابية بصورة دورية.
ورغم ذلك، لن تعتمد الهيئة سيناريوهات موحدة لهذه الاختبارات كما يحدث مع البنوك البريطانية الكبرى، بل ستترك لكل شركة مسؤولية إعداد اختبارات الضغط الخاصة بها استناداً إلى تقييمها الداخلي للمخاطر، وهو ما يعني أن حجم رأس المال المطلوب سيختلف من شركة إلى أخرى بحسب طبيعة أنشطتها ومستوى المخاطر التي تتحملها.
وكانت هيئة السلوك المالي قد استجابت لبعض مطالب القطاع، حيث قررت تخفيف متطلبات رأس المال بالنسبة لبعض أنواع الأصول الرقمية، وعلى رأسها العملات المستقرة (Stablecoins) المرتبطة بقيمة العملات التقليدية مثل الجنيه الاسترليني أو الدولار الأمريكي، بعد اعتراضات من الشركات التي رأت أن المتطلبات المقترحة كانت مبالغاً فيها.
ورغم تشديد الرقابة، شددت الهيئة على أن اللوائح الجديدة لا تلغي المخاطر الأساسية للاستثمار في العملات المشفرة، مؤكدة أن المستثمرين لا يزالون معرضين لاحتمال خسارة كامل أموالهم عند الاستثمار في هذه الأصول شديدة التقلب.
مكافحة الاحتيال
لكن المسؤولين يرون أن زيادة الإشراف الرقابي ستحد من الممارسات التجارية غير السليمة، وستقلص عمليات الاحتيال والترويج المضلل التي أدت خلال السنوات الماضية إلى خسائر كبيرة لآلاف المستثمرين.
وقال ديفيد جيل إن المستهلكين تعرضوا بالفعل لأضرار حقيقية نتيجة غياب التنظيم، مضيفاً أن النظام الجديد صُمم لمعالجة هذه المشكلات بصورة مباشرة، مع توفير بيئة أكثر أماناً للتعامل مع الأصول الرقمية. وأكد أن الهدف من القواعد الجديدة ليس إعاقة نمو قطاع العملات المشفرة، وإنما توفير أساس قانوني وتنظيمي متين يسمح للشركات بالنمو بصورة مستدامة.
وأضاف: "الأمر يتعلق بمنح قطاع العملات المشفرة قاعدة صلبة يمكنه البناء عليها، فالشركات كانت تطالب منذ فترة طويلة بوضوح تنظيمي، ونعتقد أننا وفرنا هذا الوضوح."
من جانبه، حذر رئيس الأسواق في منصة الاستثمار AJ Bell، دان كوتسوورث، من أن المستثمرين ينبغي ألا ينظروا إلى التنظيم الجديد باعتباره ضماناً كاملاً لسلامة استثماراتهم.
وأوضح أن العملات المشفرة أصبحت وسيلة شائعة لتنويع المحافظ الاستثمارية، لكنها في الوقت نفسه ارتبطت بعدد كبير من مخططات الثراء السريع، كما يجري الترويج لها عبر وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها طريقاً سهلاً لتحقيق الأرباح، وهو ما قد يدفع بعض المستثمرين إلى تجاهل حجم المخاطر الحقيقية.
وأضاف أن وجود رقابة تنظيمية أقوى يوفر حماية أكبر للمستهلكين، ويساعد على الحد من عمليات الاحتيال والإعلانات المضللة والممارسات غير المهنية داخل السوق، إلا أنه شدد على أن التنظيم يقلل المخاطر ولا يقضي عليها بالكامل.
وتأتي هذه الخطوة في وقت يشهد فيه سوق العملات المشفرة توسعاً كبيراً على المستوى العالمي، مدفوعاً بتزايد اهتمام المستثمرين الأفراد، وانتشار الترويج للأصول الرقمية عبر منصات التواصل الاجتماعي، فضلاً عن تنامي الزخم السياسي والتنظيمي في الولايات المتحدة خلال ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي اتسمت سياساته بموقف أكثر انفتاحاً تجاه صناعة العملات المشفرة.
وتفرض القواعد الجديدة على الشركات تكوين احتياطيات رأسمالية كافية، بحيث تمتلك ما يشبه الوسادة المالية القادرة على امتصاص الخسائر المحتملة الناتجة عن تقلبات الأصول عالية المخاطر الموجودة في ميزانياتها.