التحليلات

شاحنات الأسلحة.. أهداف ومخاطر الدور التركي في ليبيا

الخميس 2019.1.3 07:52 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 1078قراءة
  • 0 تعليق
دور تركي مشبوه في ليبيا

دور تركي مشبوه في ليبيا

لم يختلف انخراط تركيا في الأزمة الليبية عن مواقفها المتغيرة والمتعارضة بشأن الحالة السورية، فقد تعاملت القيادة التركية مع الحالة الليبية برؤى لا تتّسم بالثبات، وسعت إلى تكريس حالة الفوضى، وإنتاج مزيد من عدم الاستقرار في المشهد الليبي بحثاً عن مصالح مؤدلجة وآنية على حساب مستقبل الدولة في ليبيا.

الدور التركي المثير للقلق كشف عنه ضبط السلطات الليبية في ميناء الخمس البحري غرب ليبيا في 17 ديسمبر الماضي، شحنتي أسلحة، ضخمتين وذخائر قادمة من تركيا، وحسب بيان الجيش الليبي فإن عدد الذخائر الواردة في هاتين الشحنتين بلغ 4,2 مليون رصاصة، بما يكفي لقتل قرابة 80% من الشعب الليبي، إضافة إلى الآلاف من المسدسات والبنادق.

وفي محاولة لتحسين الصورة الذهنية لتركيا بعد افتضاح الدور التركي المشبوه سارعت أنقرة لإرسال وزير خارجيتها مولود جاويش اوغلو لتدارك الأزمة والحد من تداعياتها، ووصل أوغلو ليبيا في 22 ديسمبر الماضي، تحت شعار مناقشة قضايا عالقة تخص إلغاء التأشيرة، وعودة الشركات التركية إلى طرابلس.

مردود الزيارة، فنفي أنقرة لتوجهات عدائية ومؤدلجة ضد الأزمة الليبية كان محدوداً، ولم يفلح في تسكين أوجاع أزمة العلاقة بين البلدين، خصوصاً أن سفينة "الخمس" لم تكن الأولى من نوعها، ففي يناير الماضي أوقفت السلطات اليونانية السفينة التركية "أندروميدا"، وعلى متنها 29 حاوية من مواد تستخدم في القنابل والمتفجرات، وكانت في طريقها نحو ميناء مدينة مصراتة (غرب ليبيا).

وبخت الأمم المتحدة السياسية التركية تجاه ليبيا، لا سيما أن أنقرة دأبت على توريد الأسلحة إلى الأخيرة رغم قرار الأمم المتحدة بحظر بيع الأسلحة إلى هذا البلد منذ عام 2011، ففي الوقت الذي طالب الجيش الليبي مجلس الأمن بفتح تحقيق فوري بشأن واقعة سفينة الخمس، مشيرا في بيانه إلى أن تركيا تحاول زعزعة أمن ليبيا واستقرارها بدعم الإرهاب، من جهتها أدانت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان الليبية السلوك التركي عقب ضبط سفينة الأسلحة في ميناء "خمس"، ودعت إلى ملاحقة قادة أنقرة.

انطلق الموقف التركي من الأزمة الليبية في البداية من منطلق الحرص على المصالح التركية في ليبيا، حيث يوجد ما يقرب من 25 ألف مواطن تركي في ليبيا، وتقدر الاستثمارات التركية فيها بنحو 15 مليار دولار

والواقع أن العنوان الأبرز في السياسة التركية تجاه الأزمة الليبية كان التناقض والتعارض، فمع بداية الاحتجاجات في 15 فبراير 2011 ضد حكم القذافي تحفظت أنقرة بشكل عام إزاء التدخلات الخارجية في ليبيا، وعارضت فرض العقوبات، وخطط التدخل العسكري بقيادة فرنسا ثم الناتو، وبدت تركيا أقرب إلى تبني مدخل الإسهام في جهود الإغاثة الإنسانية، مع الإبقاء على قنوات مفتوحة مع طرفي الصراع لأداء دور الوسيط.

وانطلق الموقف التركي من الأزمة الليبية في البداية من منطلق الحرص على المصالح التركية في ليبيا، حيث يوجد ما يقرب من 25 ألف مواطن تركي في ليبيا، وتقدر الاستثمارات التركية فيها بنحو 15 مليار دولار، كما تشكل السوق الليبية السوق الثانية للمتعاقدين الأتراك في الخارج بعد روسيا، ويوجد في ليبيا نحو 120 شركة تركية، ووصل التبادل التجاري بين الدولتين في عام 2010 إلى 9,8 مليارات دولار.

ومع سقوط نظام "معمر القذافي" في عام 2011 اتجهت أنقرة إلى تقديم كافة أوجه الدعم للتنظيمات الإرهابية، الممثلة في "حزب العدالة والبناء" (الذراع السياسية لتنظيم الإخوان الإرهابي) ومليشيات مدينة مصراتة أكبر داعم للإرهابيين بالغرب الليبي، كما قدمت أنقرة دعماً لتحالف "فجر ليبيا" في مواجهة "عملية الكرامة" التي أطلقها الجيش الليبي في مايو 2014 بقيادة "خليفة حفتر"، وهو ما تسبب في توتر علاقاتها مع الشرق الليبي، حيث وجه قائد الجيش الليبي في الشرق "خليفة حفتر" اتهامات لتركيا بدعم "الإرهاب" في ليبيا، وأصدرت حكومة الشرق الليبي قراراً بإيقاف التعامل مع كافة الشركات التركية في ليبيا رداً على سياساتها الداعمة لتحالف "فجر ليبيا".

تناقض الموقف التركي، كشفت عنه أيضا تصريحات للرئيس رجب طيب أردوغان رفض فيها الاعتراف بشرعية برلمان طبرق المنتخب في أغسطس 2014، لكن جدد المبعوث الشخصي للرئيس التركي أمر الله إيشلرج اعتراف بلاده بمجلس النواب والحكومة المنبثقة عنه كسلطة شرعية وحيدة لليبيا.


دور تركي مشبوه

الواقع أن السلوك التركي تجاه الأوضاع في ليبيا كان محط انتقاد كثير من النخب الليبية، التي وصفت الدور التركي بالمشبوه وبالتدخل السافر في شؤون البلاد الداخلي، فبينما طالبت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان الليبية بفتح تحقيق ضد خروقات تركيا اعتبر البرلمان الليبي زيارة أوغلو مؤخراً إلى ليبيا تهدف للتستر على أزمة شحنة الأسلحة التركية، وللتحايل على دعمها للجماعات الراديكالية.

رغم إغلاق السفارة التركية بالعاصمة طرابلس في عام 2014 قبل أن يُعاد افتتاحها في مطلع عام 2017، فإن القنصلية التركية في مدينة مصراتة استمرت في ممارسة عملها دون انقطاع

والأرجح أن عملية إرسال أسلحة إلى التنظيمات الإرهابية الليبية تأتي في إطار ثوابت السياسة التركية تجاه الواقع الليبي، والتي تقوم على دعم الإرهابيين في الغرب الليبي، خاصة أن الحل الوحيد للأزمة الليبية وفقاً للرؤية التركية يتمثل في ضرورة إشراك التنظيمات المسلحة في العملية السياسية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية بين الإرهابيين في الغرب الليبي والتيارات المدنية في الشرق.

ولذلك فإنه رغم إغلاق السفارة التركية بالعاصمة طرابلس في عام 2014 قبل أن يُعاد افتتاحها في مطلع عام 2017، فإن القنصلية التركية في مدينة مصراتة استمرت في ممارسة عملها دون انقطاع، كما قام وزير الخارجية التركي بزيارة العاصمة طرابلس في مايو 2016 بعد شهرين من نجاح المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني في دخول العاصمة طرابلس، وإعلانه استعداد تركيا لتقديم ما يلزم من الدعم لحكومة الوفاق برئاسة "فايز السراج"، ولعل الدعم التركي لحكومة السراج يبدو مفهوماً في إطار مشاركة الإسلاميين فيها، كما توالت زيارات مبعوث الرئيس التركي لليبيا أمر الله إيشلر ولقاءاته مع القوى السياسية الليبية، خاصة الإسلامية منها.

مصالح تركيا الاقتصادية في ليبيا

تأسيساً على ما سبق، فإن تركيا تستهدف من انخراطها في المشهد الليبي ودعم التنظيمات الإرهابية تحقيق مجموعة من الأهداف، أولها الرغبة في فتح أسواق جديدة للأسلحة التركية التي تنتجها أنقرة، فقد ارتفعت الصناعات العسكرية التركية في عام 2017 لتصل إلى أكثر من 6 مليارات دولار، يذهب جانب معتبر منها للتصدير إلى مناطق الصراعات، وهو ما ينعكس على الاقتصاد التركي الذي يعاني تراجعاً غير مسبوق بشكل إيجابي، وتمثل الأوضاع في ليبيا التي ما زالت ليبيا سوقاً مهمة لتصدير واختبارات السلاح التركي في آن معاً، بالنظر إلى استمرار عسكرة الأزمة، ووجود عدد معتبر من الفصائل المسلحة المرتبطة إيديولوجيا بأنقرة.

ويرتبط الهدف الثاني بسعي تركيا إلى تعظيم أرباحها الاقتصادية عبر التمكين للتيارات الموالية لها على الأرض، خاصة جماعات الإرهاب في الغرب الليبي، وتستهدف تركيا الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من مشاريع إعادة الإعمار في ليبيا، من خلال الدفع بشركات المقاولات التركية للعمل في ليبيا، فضلا عن تعويض الخسائر الاقتصادية التي تعرضت لها تركيا في ليبيا بعد سقوط نظام "القذافي".

ومن الجدير بالذكر أن الاستثمارات التركية في ليبيا بقطاع التشييد خلال عهد "القذافي" بلغت قيمتها 15 مليار دولار، وكانت أحد الأسباب الرئيسية لتأخر تأييد تركيا للثورة الليبية، كما أن قرار حكومة الشرق الليبي بإيقاف التعامل مع الشركات التركية بسبب دعم تركيا للإرهابيين في الغرب في فبراير 2015، تسبب في إحداث خسائر ضخمة للجانب التركي.

تحاول تركيا عبر إرسال الأسلحة إلى التيارات المتشددة في ليبيا التأثير على مقاربات دول الجوار لتشكيل رؤية مضادة للرؤية المصرية، الخاصة بضرورة إنهاء وجود التنظيمات المتطرفة والإرهابية في ليبيا

خلف ما سبق تسعى تركيا إلى تفتيت الجيش الوطني الليبي من خلال دعم فصائل الإرهاب، وخلق قاعدة لهذه التيارات من جديد بعد سقوطها في مصر وتعثرها في تونس، وبدا ذلك في تنسيق تركيا مع المليشيات في مدينة مصراتة، وتمثل مصراتة أولوية خاصة لنشاط تركيا على الأرض في ليبيا، ففيها القنصلية التركية، وهي أكبر داعم للتيارات الإرهابية في ليبيا، وتحرص أنقرة على تطوير دفاعات مليشيات مصراتة، وتعظيم بنيتها العسكرية، بما يعزز من قدرتها في مواجهة الجيش الليبي بقيادة المشير حفتر، والذي يقف شوكة في مواجهة أطماع الدور التركي، ووصف قائد الجيش الوطني خليفة حفتر الفعل التركي بإرسال أسلحة إلى المليشيات التي تعمل خارج إطار القانون بأنه "جريمة حرب".

على صعيد متصل، تحاول تركيا عبر إرسال الأسلحة إلى التيارات المتشددة في ليبيا التأثير على مقاربات دول الجوار لتشكيل رؤية مضادة للرؤية المصرية، الخاصة بضرورة إنهاء وجود التنظيمات المتطرفة والإرهابية في ليبيا، وتسعى تركيا إلى استخدام ليبيا كأداة وظيفية للضغط على القاهرة، وشمل هذا التحرك بناء تحالف سياسي إيديولوجي مع قطر والسودان، وهو ما تجلى في تعظيم الوجود العسكري التركي في الدوحة، والتوافق مع الخرطوم بشأن جزيرة سواكن.

القصد أن التوجهات التركية تجاه الأزمة في ليبيا، عبر دعم الجماعات الراديكالية، باعتبار أن طريق ترسيخ النفوذ التركي في ليبيا، والمنطقة يمر عبرها، هي ليست أكثر من مجرد وهم في ذهنية السلطة التركية، فالدور التركي المتناقض، والذي كان أحد معطيات تعقيدات الحل في ليبيا أدى إلى تشويه الصورة الذهنية لتركيا في الوعي الجمعي الليبي والدولي، ورغم كثافة الاستثمار الإيديولوجي والسياسي لتركيا في التيارات الإسلامية الليبية، وخرقها قرار حظر توريد السلاح إلى ليبيا فإنها في نهاية المطاف أصبحت لاعبا منبوذا في إدارة الأزمة، خصوصاً مع سعي الحكومة التركية إلى أدلجة الصراع الليبي لمصلحة جماعات الإرهاب.

تعليقات