سياسة

أردوغان.. من "تصفير الخلافات" إلى الغباء في صناعة الأعداء

الخميس 2017.12.21 10:27 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 1299قراءة
  • 0 تعليق
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان

حين زار الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، روسيا في أغسطس/آب 2016، عقب قطيعة إسقاط الطائرة، بدا أن أنقرة ترنو إلى بداية جديدة تحكمها جملة من المتغيرات الاستراتيجية والسياسية وإعادة إحيائها لسياسة "تصفير الخلافات". 

غير أن إحداثيات الواقع كشفت، بمرور الوقت، عن أنه في الوقت الذي كانت تعتقد فيه تركيا أنها عادت إلى سياسة "صفر مشاكل" التي نادى بها رئيس وزرائها الأسبق أحمد داوود أوغلو منذ عام 2009، إنما أحاطت نفسها، وبكل غباء، بكم هائل من الأعداء. 

سوء تقدير واندفاع  

بعودة تركيا إلى سياسة "تصفير الأعداء وزيادة الأصدقاء"، كان من الممكن أن تستعيد الكثير من توازنها واعتباريتها في محيطها الداخلي والخارجي، غير أن مراقبين يرون أن سوء تقديرها للمواقف الدولية واندفاعها غير المحسوب في عدد من الملفات الشائكة مثل العراق وسوريا وتونس وليبيا ومصر جعلها تحيد عن هذه السياسة. 

انزلاق انطلق في بدايته منعطفا صغيرا حاولت من خلاله أنقرة إثبات وجودها وقدرتها على التحكم بمسارات الأحداث، غير أن أنها لم تستشرف مبكرا أن الزلازل التي تحدثها في غيرها من البلدان ستعود عليها وبالا من خلال الهزات الارتدادية التي ترافق عادة الرجات الأرضية. 

هزات ارتدادية أطاحت بمؤشراتها الاقتصادية والأمنية، وبعلاقاتها بجيرانها وأصدقائها، ما جعل رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم، يلمح قبل عام إلى "تغيير جوهري" في سياسة بلاده إزاء الأزمة السورية، معربا عن ثقته بتطبيع العلاقات مع سوريا في أعقاب خطوتين مماثلتين مع روسيا وإسرائيل. 

فالتقارب مع روسيا الذي سعى إليه أردوغان عقب الاعتذار الذي اعتبره مراقبون "مهينا"، عن إسقاط طائرة عسكرية روسية على الحدود السورية التركية في 2015، لم يكن سوى محاولة من تركيا الالتفاف، عبر البوابة الروسية، على حلم الأكراد بتشكيل دولتهم، وهنا كسب أردوغان روسيا، ومعها عددا كبيرا من الأعداء بينهم الأكراد. 


صناعة الأعداء: 

تفاهمات جاءت ضمن سياق استراتيجي وجيوسياسي جديد، وكانت أنقرة تسعى من خلالها إلى تحويل روسيا من قائمة الأعداء إلى قائمة الأصدقاء، غير أن ما حصل عمليا هو أنها طوقت نفسها بالأعداء، في وقت تعاني فيه أصلا من عزلة فاقمها الجفاء الأوروبي بسبب اتفاق اللاجئين، ومسألة انضمامها للاتحاد. 

وفي نفس سياق إعادة رسم خارطة سياستها الخارجية، وإعادة مفهوم "تصفير الأعداء" الذي ميز علاقاتها قبل عام 2011، طبعت علاقاتها مع إسرائيل بعد أكثر من 6 سنوات من القطيعة، لتصنع لنفسها هذه المرة حزاما نسف جميع مواقفها بشأن القضية، وأظهر زيف مواقفها المتباكية على أعتاب القدس والأقصى. 

إعادة تأسيس علاقات مع روسيا، وتطبيع مع إسرائيل، و"إعادة تدويرها" مع القاهرة، ومع دمشق بوساطة إيرانية غير مباشرة، ومع العراق أيضا.. سلسلة تطبيع علاقات لا تنتهي أرادتها أنقرة تفعيلا لسياستها القديمة، قبل أن تدرك متأخرة أنها إنما أنشأت مصنع لتفريخ الأعداء من كل جانب.  

فالغرب، ورغم حلفها الاستراتيجي معه، إلا أنه أهانها في الصميم حين ازدراها ولم يأخذ بعين الاعتبار برأيها في الكثير من الملفات الهامة، بل إن التعامل الغربي مع الشرق الأوسط، بما فيها مخططات عدد من قادته بإعادة رسم خارطته، يعتبر في حد ذاته عدوا لتركيا وتهديدا لكيانها السياسي. 

 وعموما، صنعت أنقرة لنفسها أعداء في كل ركن من العالم، في ما يلي أبرزهم: 

الأكراد: 

التعاطي الغربي مع ملف الأكراد بسوريا والعراق شجع هذه القومية على المطالبة بحكم ذاتي أو كيانات مستقلة عن بلدانهم الأصلية تمهيدا لإقامة دولة كردية كبرى، وهذا ما يعتبر أشد الكوابيس سوءا بالنسبة لأنقرة. 

مخاوف فسرها الرفض التركي اللافت للاستفتاء الذي أجراه الإقليم الكردي شمالي العراق، في سبتمبر/أيلول الماضي، ليفاقم من العداء الذي يكنه الأكراد لتركيا التي تمثل بنظرهم إحدى أبرز العوائق بوجه تحقيق حلمهم. 

الإرهاب:  

هو العدو اللدود الذي صنعته تركيا لنفسها، ذلك أن ما يروج حول دعم تركيا لبعض الجماعات المسلحة وجّه فوهات الرشاشات نحوها، عقب فضها لشراكة معينة أو رفع دعمها أو تغير مواقفها لأسباب معينة، فكان أن استهدفت بهجمات دامية قد يكون منفذوها أصدقاء الأمس، لتستوعب متأخرة أن التورط بجحيم الآخرين قد تسبب باحتراقها. 


الولايات المتحدة الأمريكية:  

القرار الأمريكي الأخير بتعليق إصدار التأشيرة للمواطنين الأتراك يأتي عقابا لأنقرة على تقاربها مع روسيا وإيران، وعلى تصريحات أردوغان التي اتهم فيها الغرب بالوقوف وراء الإرهاب، في وقت يدعم فيه الأخير قطر التي قاطعتها كل من الإمارات ومصر والسعودية والبحرين، للتهمة نفسها التي يستنكرها.

وبهذا يخرج العداء بين واشنطن وأنقرة من الكواليس إلى العلن.

الاتحاد الأوروبي:

بلدان أوروبية عديدة أبدت امتعاضها واستنكارها من السياسة التركية الداخلية، وخصوصا في ظل التضييقات والاعتقالات التعسفية التي تستهدف معارضين وصحفيين وأكاديميين وغيرهم منذ محاولة انقلاب يوليو/تموز 2016. 

فبمرور الزمن، تضاءل عدد المؤيدين لفكرة الانضمام، بل أضحت الأخيرة تلاقي معارضة متزايدة من معظم الدول الأوروبية مثل فرنسا وألمانيا ومؤخرا النمسا، إلى جانب اليونان بسبب الخلاف التاريخي بين الدولتين وسيطرة تركيا على قبرص في 1974، والنزاع ولمجازر الأرمنية خلال الحرب العالمية الأولى. 

وإلى ما تقدم يضاف ملف المهاجرين السوريين الذين تتهم بلدان الاتحاد تركيا بتسهيل عبورهم إليها، ما خلق أزمة خانقة لم تنجح أوروبا في تخطي تداعياتها حتى الآن. 

مصر:

تركيا التي رأت فيما حدث في كل من تونس ومصر وسوريا في 2011 فرصة سانحة للعب دور الضامن لوصول حكومات موالية لها في تلك البلدان، بل إن من المحللين من قال إن هوس بسط الهيمنة العثمانية يراود الأتراك مجددا، لم تستوعب سقوط جماعة الإخوان المسلمين والرئيس المصري السابق، محمد مرسي، في 2013. 

تصريحات لمسؤولين أتراك حول الأوضاع بالبلاد رأت فيها السلطات المصرية تدخلا في شأنها الداخلي، ما تسبب في تصاعد التوتر حد القطيعة، لتنضم بذلك مصر إلى قائمة أعداء أنقرة. 


تركيا ـ قطر ـ إيران.. المثلث التخريبي 

رغم أن دعم قطر للإرهاب يشكل تهديدا للأمن الإقليمي، ما دفع بجيرانها في يونيو/حزيران الماضي إلى مقاطعتها، إلا أن تركيا سارعت بإعلان دعمها للدوحة، طمعا في تحقيق أرباح اقتصادية من جهة، وتأمينا لاستمرار إحدى أبرز مصادر تمويل الإرهاب من جهة أخرى. 

ومع أن الموقف الرسمي التركي تجاه الأزمة حافظ على حياد مريب، إلا أن ممارسات أنقرة على الأرض يترجم موقفا مغايرا، لا يعتبره المحللون غريبا بالنسبة لبلد تمضي مواقفه عكس الإرادة الدولية، تماما كما هو الحال بالنسبة لموقفها من البرنامج النووي الإيراني الذي يعارضه المجتمع الدولي.



تعليقات