سياسة

التنافس الأمريكي الإيراني على العراق

الأربعاء 2018.4.4 10:07 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 371قراءة
  • 0 تعليق
حسين الشيخ

في السنوات التي تسلم فيها حيدر العبادي منصب رئاسة الحكومة العراقية شهدت البلاد نوعا من الاستقرار السياسي خصوصا لصالح العلاقات الخارجية بين العراق والمحيطين الدولي والعربي.

عندما نتحدث عن الاستقرار في زمن حكومة العبادي هذا لا يعني خلوّ الساحة العراقية من التجاذبات من حين إلى آخر مع الدول الأخرى، ولعل الأزمة مع تركيا على خلفية نية أنقرة الدخول إلى معسكر بعشيقة في كركوك عقب انطلاق عملية تحرير الموصل بحجة حماية الأقلية التركمانية، كانت أبرز التحديات التي واجهت بغداد، وبالفعل استطاع حيدر العبادي امتصاص غضب وعنجهية الرئيس التركي رجب أردوغان الذي لم يكتفِ بالاعتداء لفظيا على العراق فحسب، وإنّما على رئيس وزرائه متوجها له بالقول: "اعرف حدودك أنت لست بمستواي وصراخك في العراق لا يهمنا في تركيا".

 العراق ومستقبله غير مرتبط بمدى انسجامه مع محيطه العربي من عدمه، فهذه قضية تتحسن فترة وتسوء أخرى، ولكن القضية الكبيرة والكبرى هي تحرير العراق من الهيمنة الإيرانية، وإسكات الصراخ الذي يردده سياسيو طهران دائما بأنّ العراق وقراره السياسي حكر لإيران

في الواقع أبرز ما كان يميّز مرحلة العراق ما قبل العبادي -أي فترة حكم سلفه نوري المالكي وكذلك زمن النظام السابق- هو عزلة العراق عن محيطه العربي بسبب السياسات الخارجية القائمة على الكثير من الأخطاء، ولعل إقدام صدام حسين على احتلال بلد عربي هو الكويت، كانت القشة التي قصمت ظهر العراق، ودفع العراقيون ثمنا كبيرا لها ولأخطاء أخرى بدخول القوات الأمريكية وقرار الحاكم العسكري بول بريمر آنذاك بحل الجيش العراقي، وهذا أثّر سلبا في ناحية تغيير هوية الجيش العراقي إلى جسم عسكري غير منسجم مذهبيا وتعميق الانقسام الطائفي بين مكونات البلاد.

(راجع حديث السفير الأمريكي السابق في العراق زلماي خليل زاد واعترافه بأخطاء بلاده في العراق ومنها قضية حل الجيش العراقي)

هذا بالنسبة لفترة نظام صدام حسين أما زمن نوري المالكي فقد ذهب الرجل بالعراق وتاريخه المجيد إلى حضن إيران التي كانت تتحين هذه الفرصة خصوصا أنّ ثمة ثأرا لها عند العراقيين عقب حرب السنوات الثماني بين بغداد وطهران والتي انتهت دون تحقيق أي من الطرفين الانتصار على الآخر.

النقلة السلبية التي قام بها المالكي من تسليم قرار العراق إلى ملالي إيران جعل ردة الفعل العربية قوية جدا لصالح مقاطعة هذا البلد العربي، وإن بطريقة غير مباشرة، فلم نجد على سبيل المثال حركة دبلوماسية لوزراء الخارجية العرب أو حتى الرؤساء باتجاه العراق طوال فترة المالكي، ولم نجد المالكي ذاته زائرا العواصم العربية المؤثرة كالقاهرة والرياض، بل ووصل به الأمر لتقديم شكوى إلى مجلس الأمن الدولي ضد دمشق في تصعيد كبير مع الجارة سوريا التي اتهم المالكي حينها نظامها السياسي بإدخال المفخخات إلى بلاده قبل مجيء الإيعاز الإيراني للمالكي بأنك والنظام السوري في خندق واحد اصطلح على تسميته "محور الممانعة".

الحقبة التي مرت بها بغداد في فترة نوري المالكي وكذلك صدام حسين كانت سوداء مظلمة للعراقيين، حتى جاءت حكومة جديدة مدعومة من الولايات المتحدة وتصرح بين حين وآخر بأنّها تريد تجنيب البلاد سياسة الانتماء لمحور دون سواه، وبالفعل بتنا نجد حراكا نشطا لبغداد باتجاه شقيقاتها، وزير الخارجية السعودي عادل الجبير يزور العراق بعد سنوات طويلة من القطيعة بين البلدين، وكذلك رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي زار المملكة العربية السعودية أكثر من مرة مبديا ارتياحه لتحسين العلاقة بين العراق والسعودية.

العراق ومستقبله غير مرتبط بمدى انسجامه مع محيطه العربي من عدمه فهذه قضية تتحسن فترة وتسوء أخرى، ولكن القضية الكبيرة والكبرى هي تحرير العراق من الهيمنة الإيرانية، وإسكات الصراخ الذي يردده سياسيو طهران دائما بأنّ العراق وقراره السياسي حكر لإيران، وهذا ما قاد السيد حيدر العبادي لتكرار عبارته الشهيرة بأن بلاده ستنأى بنفسها عن سياسة المحاور التي كانت متبعة في زمن المالكي.

العبادي ذكر أنّ العراق لن يكون طرفا في الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإيران، فهل هو قادر على ذلك؟

في الواقع لا نبالغ إذا قلنا نعم، فالرجل وخلال حربه على تنظيم داعش استطاع تجميع القوى المتنافرة (الولايات المتحدة وإيران والمحيط العربي وتركيا وكذلك الأوروبيون) باتجاه هدف واحد وهو القضاء على التنظيم الإرهابي، وهذا يحسب للرجل وإيمانه ببلده أكثر من بحثه عن مكاسب شخصية كما فعل نوري المالكي.

عاملان اثنان سيساعدان العبادي على تجنيب العراق "الكباش" الأمريكي الإيراني.

الأول يعتمد على الرغبة الشعبية بعدم الانجرار وراء محور ضد آخر وما دفعه العراقيون في السنوات العشرين الماضية بات كفيلا بتلقينهم درسا قاسيا بأنّ الأمن والاستقرار الاقتصادي أهم بكثير من العنتريات والانتماء لمحاور لا تسمن ولا تغني من جوع.

العامل الآخر هو انفتاح العراق على محيطه العربي، ففي السابق كان الحضن الإيراني البديل لبغداد في مواجهة التعثر السياسي مع الولايات المتحدة أو المحيط العربي، أما وقد باتت العلاقات مميزة ما بين العراق والدول العربية فسيكون لذلك حتما تأثير كبير في عدم تكرار أخطاء الماضي واستخدام إيران بلاد الرافدين ساحة ضد الولايات المتحدة للحصول على مكاسب، والاتفاق النووي مع الغرب نموذجا لذلك.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات