ليس فيلما للخيال العلمي.. «العين الإخبارية» تكشف كواليس ابتكار تحويل الماء إلى وقود (حوار)
في وقت يتسارع فيه العالم للبحث عن مصادر طاقة نظيفة ومستدامة، يبدو الحديث عن استخدام الماء كوقود وكأنه فكرة مستوحاة من أفلام الخيال العلمي.
داخل جامعة مصرية، نجح فريق من طلاب كلية الهندسة في تحويل هذه الفكرة إلى نموذج عملي من خلال مشروع "WATAGAS"، الذي ينتج غازا قابلا للاحتراق من الماء مباشرة.
حول تفاصيل المشروع وإمكاناته المستقبلية، كان هذا الحوار مع د. تامر محمد إسماعيل، المشرف على الفريق.

بداية، ما هو مشروع "WATAGAS" وما الفكرة الأساسية التي يقوم عليها؟
مشروع "WATAGAS" هو نظام هندسي يهدف إلى إنتاج غاز قابل للاحتراق من الماء مباشرة باستخدام تقنية التحليل الكهربائي. الفكرة الأساسية هي إنتاج الوقود في مكان استخدامه دون الحاجة إلى تخزين الهيدروجين المضغوط أو نقله لمسافات طويلة، وهو ما يساهم في تقليل المخاطر والتكاليف المرتبطة بعمليات النقل والتخزين.
قد يستغرب البعض فكرة تحويل الماء إلى وقود، فكيف يحدث ذلك علميا؟
هذا سؤال متوقع جدا، لأن الماء يرتبط في أذهان الناس بإطفاء الحرائق وليس إشعالها. لكن إذا نظرنا إلى تركيبه الكيميائي سنجد أنه يتكون من ذرتي هيدروجين وذرة أكسجين. عند تمرير تيار كهربائي في الماء تحدث عملية التحليل الكهربائي، فتنفصل هذه العناصر وينتج خليط من غازي الهيدروجين والأكسجين يعرف باسم غاز HHO أو الأوكسي-هيدروجين. وعند إشعال هذا الغاز ينتج حرارة مرتفعة جدا ويعود الهيدروجين للاتحاد مع الأكسجين مكونا بخار الماء من جديد.
كيف جاءت فكرة المشروع؟
جاءت من مشكلة واقعية تواجه العديد من المناطق الريفية أو النائية، حيث ترتفع تكاليف نقل الوقود التقليدي وتخزينه، بالإضافة إلى آثاره البيئية والصحية. فكرنا في تطوير نظام يسمح بإنتاج الوقود محليًا عند الحاجة إليه باستخدام مورد متاح وهو الماء، مع الاعتماد على الكهرباء كمصدر للطاقة.

ما الذي يميز هذا المشروع عن أنظمة إنتاج الهيدروجين التقليدية؟
أهم ما يميزه أنه لا يعتمد على تخزين كميات كبيرة من الهيدروجين. الغاز يتم إنتاجه واستهلاكه في الوقت نفسه تقريبًا، وهو ما يقلل كثيرا من مخاطر التخزين والنقل. كما أن النظام صُمم ليكون وحدة متكاملة يمكن تشغيلها في مواقع مختلفة دون الحاجة إلى بنية تحتية معقدة.
كيف تعمل المنظومة عمليا؟
يمكن تشبيهها بمصنع وقود مصغر. تبدأ العملية داخل خلية التحليل الكهربائي حيث يتم إنتاج الغاز، ثم يمر الغاز عبر مراحل متعددة تشمل التبريد والتنقية وإزالة الرطوبة والشوائب. بعد ذلك يمر عبر أنظمة أمان متقدمة قبل وصوله إلى موقد الاحتراق أو نقطة الاستخدام النهائية.
الهيدروجين معروف بأنه سريع الاشتعال، كيف تعاملتم مع جانب الأمان؟
بالفعل، الأمان كان من أهم التحديات الهندسية في المشروع. لذلك اعتمدنا على منظومة حماية متعددة الطبقات تشمل صمامات عدم رجوع، ومانعات ارتداد اللهب، وأنظمة مراقبة للتشغيل، بالإضافة إلى إجراءات للإيقاف الطارئ. الهدف كان ضمان تشغيل النظام بأعلى مستويات السلامة الممكنة.
هل يقتصر استخدام الغاز المنتج على تشغيل المواقد فقط؟
لا، إطلاقًا. تشغيل موقد احتراق كان مجرد تطبيق عملي لإثبات كفاءة النظام. لكن هناك تطبيقات أوسع تشمل استخدامه كمساعد لتحسين كفاءة اللهب في المشاعل الصناعية، وأعمال اللحام الدقيقة، وتشكيل الزجاج، وبعض عمليات المعالجة الحرارية التي تحتاج إلى درجات حرارة مرتفعة ومركزة.
ما الفائدة التي يقدمها هذا النظام للمناطق البعيدة أو النائية؟
في هذه المناطق غالبًا ما تكون عملية توفير الوقود التقليدي مكلفة أو غير مستقرة. إنتاج الوقود عند الطلب يلغي الحاجة إلى نقل وتخزين كميات كبيرة من الوقود، ما يوفر حلاً عمليا ومرنًا يمكن أن يدعم الأنشطة المنزلية والصناعية على حد سواء.
ماذا أظهرت الدراسة الاقتصادية للمشروع؟
تكلفة بناء النموذج الأولي بلغت نحو 45 ألف جنيه مصري. وعند التشغيل باستخدام الكهرباء التقليدية كانت التكلفة قريبة جدًا من تكلفة استخدام غاز البترول المسال، بفارق لا يتجاوز نحو 4.3%. وهذا مؤشر مهم على إمكانية المنافسة الاقتصادية للتقنية.
وماذا عن دمج النظام مع الطاقة الشمسية؟
هنا تصبح الصورة أكثر جاذبية. عند تشغيل النظام بالطاقة الشمسية يمكن تقليل الاعتماد على الكهرباء المشتراة من الشبكة بشكل كبير. وتشير الحسابات الأولية إلى إمكانية استرداد تكلفة النظام الشمسي خلال نحو 4 أو 5 سنوات، وهو ما يعزز الجدوى الاقتصادية على المدى الطويل.

ما المزايا البيئية التي يوفرها المشروع؟
من أهم المزايا أن ناتج الاحتراق الأساسي عند نقطة الاستخدام هو بخار الماء، وبالتالي لا توجد تقريبًا انبعاثات كربونية مباشرة. كما يمكن أن يساهم استخدام الغاز في تحسين كفاءة الاحتراق وتقليل الدخان والملوثات، وهو ما ينعكس إيجابًا على جودة الهواء في الورش ومواقع العمل.
هل يمكن اعتبار هذه التقنية خطوة نحو الهيدروجين الأخضر؟
بالتأكيد. إذا تم تشغيل المنظومة باستخدام الكهرباء المنتجة من مصادر متجددة مثل الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح، فإن دورة إنتاج الوقود بالكامل تقترب من مفهوم الوقود الأخضر الذي تتبناه العديد من الدول ضمن استراتيجياتها للتحول الطاقي.
ما الخطوات المستقبلية التي تخططون لها؟
لدينا العديد من الأفكار التطويرية، منها دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي للتحكم الذكي في معدل إنتاج الغاز، وربط النظام مباشرة بمصادر الطاقة الشمسية، وتحسين تصميم الأقطاب الكهربائية لرفع الكفاءة وتقليل استهلاك الطاقة. كما نطمح إلى تطوير المشروع ليصبح منصة بحثية متخصصة في مجالات الهيدروجين الأخضر والاحتراق النظيف.
أخيرا، هل توقف أثر المشروع عند حدود مشروع التخرج؟
لا، وهذا من أكثر الجوانب التي نفخر بها. فقد أسفرت نتائج المشروع عن نشر بحث علمي في دورية دولية متخصصة، كما يوجد بحث آخر حاليًا قيد التحكيم في مجلة دولية متخصصة في أبحاث الهيدروجين. وهذا يؤكد أن المشروع لم يكن مجرد تجربة تعليمية، بل خطوة بحثية حقيقية يمكن البناء عليها مستقبلًا.
ما الرسالة التي تود توجيهها في ختام هذا الحوار؟
أعتقد أن أهم رسالة هي أن الابتكار يبدأ من محاولة حل مشكلات واقعية. ما قمنا به يوضح أن الطلاب قادرون على تقديم حلول هندسية واعدة عندما تتوافر لهم البيئة الداعمة. والطاقة النظيفة ليست حلما بعيدا، بل مجالا مفتوحا أمام الأفكار الجديدة التي قد تغير شكل المستقبل.