سياسة

حين عشقت المكنسة

الأحد 2017.3.19 10:37 صباحا بتوقيت ابوظبي
  • 538قراءة
  • 0 تعليق

ربما يصعب عليكم أن تصدقوني إن قلت لكم أن أول حب في حياتي كان مكنسة خشبية يضعها جيراننا كل ليلة بعد الانتهاء من تنظيف مطبخهم في الطابق الثاني، مسجية بجانب النافذة، كي تجف، فيلوح لي خيالها من بعيد، وهي قابعة خلف الستارة كفتاة نحيلة ترقبني طوال الليل، وكلما رحت أبحلق فيها بالظلام أكثر، أراها تارة ترقص لي، وتارة تهتز، وترسل لي إشارات الغرام، فأشرع بمبادلتها ذات المشاعر وحركات الاهتزاز والهيام.. 

مرة كانوا يلقون على رأسها "ممسحة" من القماش فأظنه دثارا، ومرة أراها كاشفة الرأس، فلا يطرق لي جفن بفراش، وأمضي الليل أتنهد قائلا "يا عمي هذا الشعر ولا بلاش".

 في ذات ليلة صيفية، اختفت حبيبتي واحتجبت عن الظهور، تألمت، حزنت، أصابني القلق والوجوم، وبدأ ينتابني الفضول، معقول يكونوا جوّزوها؟ أو مسكوها ومسحوا الأرض فيها؟ دخلت منزلهم في اليوم التالي، بحجج وهمية، فعلمت أنهم قد استبدلوها بمكنسة كهربائية، ذات خرطوم.. وأصبحوا يركزونها في أحد الدواليب، وحمدت الله كثيرا أن انتهت علاقتنا عند هذه الحدود، قبل أن ننجب سطلا أو مجرودا. 

قبل ٥٠ عاما كانوا يؤمّون المسارح ليستمعوا للطرب الأصيل، ويقتدوا بالفن الجميل، قبل أن تغزونا (ثقافة الأفغاني) فترمي بقيمنا العربية الأصيلة إلى خارج الزمان، ويذوي معها الفن والإنسان

هكذا تتشوّه المفاهيم الجميلة في بلادنا العربية الحزينة، التي تحارب (الاختلاط) تحت النور، وتبيحه سرا تحت أسدال الظلام، فيلتقي الذكر بالأنثى وكلٌ لا يعرف شيئا عن قرينه غير تلك القصص الأسطورية، والأفلام الهندية. الجامعات تصبح حقلا للمعارك وميادين للقاء الفحول والخصوم، لينصرف الطلبة عن تحصيل المعارف والعلوم.. المصانع والمشافي ودور العبادة.. تصبح مرتعا للشذوذ عن العادة.. كثيرٌ من العلاقات وقليلٌ من السعادة. 

نعم، حين لا تحوي الكثير من المدن العربية، دور سينما ولا مراكز موسيقى ومسارح ناشطة ومعارض للفنون، ترتقي بالذائقة الجمالية والوجدانية للناشئة، فتهذب أخلاقهم وتسمو بأرواحهم، وتسمح لهم بالاختلاط المعتدل والمسؤول تحت رقابة الأهل والعموم، ويمكنهم تاليا من الاختيار الأمثل لشركائهم في الحياة، لا عجب حينها أن يغرم الشباب ببعضهم بعضا والفتيات بأقاربهن، والبشر بحيواناتهم، والحالمون بحورياتهم، ويتشوه دور المعلم والطبيب، ورجل الدين من حاملي الهلال أو الصليب، وتتفشّى الأمراض العضوية والنفسية والجنسية. لنلهث باقي العمر وراء أطياف حلم شبابي لا يعود. 

لا عجب أن نرى كيف كانت عليه المجتمعات العربية من نظافة ورقي وجمال ونضوج قبل 50 عاما، حين كانوا يؤمّون المسارح (مهندمين مؤدبين مشلحين وقاعدين ما حدا بلشان في الثاني) ليستمعوا للطرب الأصيل، ويقتدوا بالفن الجميل، قبل أن تغزونا (ثقافة الأفغاني) فترمي بقيمنا العربية الأصيلة إلى خارج الزمان، ويذوي معها الفن والإنسان. 


تعليقات