بـ7 مليارات جنيه.. لماذا تراهن الحكومة المصرية على الصكوك السيادية؟
أعلن البنك المركزي المصري طرح صكوك سيادية محلية لأجل ثلاث سنوات بقيمة 7 مليارات جنيه، نيابة عن وزارة المالية، على أن يتم الطرح الإثنين المقبل والتسوية في اليوم التالي، في خطوة تعكس تحولاً مدروساً في أدوات إدارة الدين العام.
ورغم أن الرقم يبدو محدودا نسبيا مقارنة بإجمالي احتياجات التمويل الحكومية، فإن دلالاته الاقتصادية تتجاوز قيمة الطرح ذاته، لتكشف عن رهان حكومي واضح على الصكوك بالجنيه كأداة تمويل بديلة في مرحلة دقيقة من دورة السياسة النقدية.
توقيت محسوب بعد خفض الفائدة
يأتي هذا الطرح ليكون الثاني من نوعه بعد قرار لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي خفض أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس في اجتماع 25 ديسمبر/كانون الأول الماضي، ليصل سعر عائد الإيداع لليلة واحدة إلى 20%.
هذا التوقيت ليس عشوائيا؛ إذ تسعى الحكومة، بحسب تقديرات مصرفية، إلى استباق أي موجة خفض إضافية في أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة، عبر تثبيت كوبونات مرتفعة نسبيا تجذب المؤسسات المالية قبل أن تبدأ دورة تراجع العوائد على أدوات الدين المحلية.
وتراهن وزارة المالية على أن هذا العامل سيدفع البنوك والصناديق المتوافقة مع الشريعة الإسلامية إلى التقدم بعروض قوية، خصوصا في ظل محدودية البدائل الاستثمارية المتاحة أمامها داخل السوق المحلية.
الصكوك.. سيولة راكدة تتحول إلى تمويل فعلي
الطرح الجديد يندرج ضمن برنامج أوسع انطلق في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وتستهدف الحكومة من خلاله جمع نحو 200 مليار جنيه بحلول نهاية يونيو/حزيران المقبل، على أن يتم تغطية إصدارات بقيمة تقارب 180 مليار جنيه قبل نهاية العام المالي الجاري.
الرهان الأساسي هنا يتمثل في استقطاب السيولة الراكدة، خاصة تلك الموجودة لدى البنوك الإسلامية وصناديق الاستثمار المتوافقة مع الشريعة، وهي سيولة ظلت لفترات طويلة خارج منظومة أذون وسندات الخزانة التقليدية بسبب عدم توافقها مع المعايير الشرعية.
بمعنى آخر، لا تستهدف الحكومة مزاحمة المستثمرين التقليديين، بقدر ما تسعى إلى توسيع قاعدة المستثمرين وفتح قناة تمويل جديدة لم تكن مستغلة بالكامل.
لماذا الصكوك بالجنيه وليس بالدولار؟
في هذا السياق، يوضح الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح أن الصكوك السيادية تختلف جوهريا عن السندات التقليدية، إذ لا تمثل ديناً مباشراً في ذمة الدولة، بل تقوم على مبدأ المشاركة في أصل مملوك للدولة أو مشروع بعينه، ويحصل المستثمر بموجبها على عائد ناتج عن أرباح هذا الأصل وليس فائدة ثابتة.
ويشير أبوالفتوح إلى أن إصدار الصكوك بالجنيه المصري يحقق عدة أهداف متزامنة؛ في مقدمتها تقليل الاعتماد على الاقتراض الخارجي بالدولار، خاصة في ظل ارتفاع تكلفته عالمياً، وتزايد المخاطر المرتبطة بتقلبات أسعار الفائدة والعملات.
كما يوفر التمويل المحلي بالعملة الوطنية هامش أمان أكبر لإدارة الدين، ويخفف الضغوط على الاحتياطي الأجنبي، وهو عامل بالغ الحساسية في المرحلة الحالية.

أداة تمويل.. لا عبء دين تقليدي
بعكس السندات، تمنح الصكوك الحكومة مرونة أكبر في توظيف الحصيلة، حيث تستخدم في تمويل مشروعات تنموية أو أصول قائمة مدرة للعائد، مع الحفاظ على قدر من التوازن بين تلبية احتياجات الموازنة العامة وعدم تضخيم أعباء خدمة الدين.
ويرى مراقبون أن هذا النموذج يمنح الدولة فرصة لإعادة هيكلة جزء من مزيج التمويل، بحيث لا يعتمد بالكامل على أدوات دين تقليدية ذات تكلفة ثابتة ومتراكمة.
هل تنجح الحكومة في رهانها؟
النجاح الحقيقي لهذا الرهان لن يقاس بتغطية طرح الـ7 مليارات جنيه فقط، بل بمدى قدرة الحكومة على الاستمرار في جذب الطلب على الصكوك خلال الإصدارات الأكبر المرتقبة، خاصة إذا استمر اتجاه خفض أسعار الفائدة.
فإذا تمكنت وزارة المالية من بناء منحنى عائد مستقر للصكوك بالجنيه، فإنها ستكون قد فتحت مسارا تمويليا طويل الأجل، يقلل الاعتماد على الخارج، ويعيد توظيف السيولة المحلية المعطلة في دعم الاقتصاد الحقيقي.