سياسة

مصر وأفريقيا: ثقافة التعايش الفعال

الإثنين 2019.2.11 01:52 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 180قراءة
  • 0 تعليق
د. نصر محمد عارف

في ظل التزايد الشديد في حركة البشر حول العالم، وظهور أنماط جديدة من المجتمعات؛ لم تعد قاصرة على ثقافة معينة متوارثة، بل أصبح التداخل الثقافي سمة تميِّز المجتمعات الناهضة والمتقدمة، وأصبح التقدم الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي رهيناً بالانفتاح والتنوع والتعدد الاجتماعي؛ ومن ثم التعارف والتفاعل الثقافي بين أشخاص ينتمون لخلفيات دينية وعرقية ولغوية متنوعة، ولكنهم في الوقت نفسه يعيشون معاً، ويعملون معاً من أجل هدف واحد وغاية واحدة، في ظل كل ذلك أصبح التسامح والتعايش الفعَّال ضروريا لتأطير هذه النوعية الجديدة من المجتمعات، إذ إن الأمر لم يعد يتطلب مجرد القبول؛ ولو على مضض بوجود الآخر، وإنما أصبح الأخر كياناً متفاعلاً مع الذات، بدونه لن تستطيع الذات الاستمرار في الوجود أو الازدهار، ولم يعد مفهوم حوار الأديان والثقافات أيضاً مناسبا؛ لأن الأمر تجاوز الحوار حول الدين كعقيدة يؤمن بها الفرد ويمارسها بحرية تامة، إلى العمل معاً والتعاون والتفاعل بفعالية عالية بين أتباع الأديان المختلفة من أجل الحفاظ على الخير العام؛ المتمثل في تحقيق السلام والأمن، وضمان تقدم المجتمعات وازدهارها، وتحقيق مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

إن تنمية ثقافة المجتمع وتطويرها وتجديدها، وضمان فعاليتها في مواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، تستلزم أن تنفتح المجتمعات لتكون بوتقة تنتظم في إطارها مختلف الأديان والأعراق، بحيث تحقق ازدهار وتقدم المجتمع والدولة، وتحقق التعارف الثقافي الفعّال.  

في ظل ذلك برز مفهوم التعارف والتفاعل من أجل العيش المشترك، الذي طرحه بعمق، مشروع جامعة هارفارد حول التعددية Pluralism الذي قدم رؤية جديدة لثقافة العيش المشترك التي ينبغي أن تحتضنها وتتمسك بها المجتمعات المعاصرة، وبالنظر في المعني الجديد لمفهوم Pluralism الذي طرحته جامعة هارفارد يتبين لنا أن مفهوم التعددية الذي تعودت الأدبيات العربية التقليدية استخدامه كمقابل عربي للمفهوم الإنجليزي Pluralism لم يعد كافياً، وذلك لأن التعددية لفظ سلبي محايد لا يتضمن تفاعلا بين مكونات المجتمع، ويقف عند حدود الوجود المادي لمكونات مختلفة دون الانتقال إلى التفاعل والتعاون والحوار المستمر، لذلك كان مفهوم "التعارف والتفاعل" هو الأنسب والأكثر تعبيرا عن هذه الظاهرة الدولية الجديدة.

وبالنظر في التاريخ القديم والحديث نجد أن المجتمعات التي استطاعت أن تحقق إنجازات حضارية مشهودٌ بها؛ لم تصل إلى ذلك إلا من خلال ثقافة التعارف والتفاعل، فحضارة المسلمين في مختلف بقاعها كانت نتاجاً لتفاعل مكونات ثقافية ودينية متنوعة عرقيا ولغويا ودينيا، حتى إن المستشرق الإنجليزي هاملتون جب أرجع نهضة المسلمين إلى تحالف ثقافي بين المسلمين واليهود خلق نموذجا نادراً للتعايش في الأندلس وغيرها، وأنه بمجرد انتهاء هذا النموذج للعيش المشترك تراجعت وتردت هذه الحضارة، وقامت الحضارة الغربية على النموذج نفسه من التعايش بين اليهود والمسيحيين، والأمر نفسه ينطبق على نهضة وازدهار مصر في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، وأن هذا النموذج إنهار عندما تم القضاء على فكرة العيش المشترك، والتفاعل الثقافي في المجتمع المصري بعد تطبيق سياسة التأميم ورفع شعار مصر للمصريين، بعد أن كانت مصر بؤرة جذب لكل الطاقات والكفاءات والإبداعات من الشام والعراق واليونان وجنوب أوربا وشمال أفريقيا وشرقها، ونفس النموذج يفسر النهضة الرائدة لدولة الإمارات العربية المتحدة، وبالقانون التاريخي نفسه الذي نهضت به مصر في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، وقبلها حضارة المسلمين في بغداد والأندلس وغيرهما، فإن النموذج الإماراتي يعود سر نجاحه إلى ثقافة التعايش والتسامح والتفاعل المكثف مع جميع شعوب الأرض من خلال استضافة أفضل من يمثلها، والاستفادة من أفضل عقولها وخبراتها.

 إن تنمية ثقافة المجتمع وتطويرها وتجديدها، وضمان فعاليتها في مواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، تستلزم أن تنفتح المجتمعات لتكون بوتقة تنتظم في إطارها مختلف الأديان والأعراق، بحيث تحقق ازدهار وتقدم المجتمع والدولة، وتحقق التعارف الثقافي الفعّال.

ومع رئاسة مصر للاتحاد الأفريقي، وبعد أن وقّع فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر مع بابا الفاتيكان فرنسيس وثيقة الأخوة الإنسانية في أبوظبي الأسبوع الماضي، يمكن أن تقوم مصر من خلال الأزهر الشريف والكنيسة الأرثوذكسية، وبالتعاون مع الفاتيكان، بتقديم نموذج جديد للقارة السمراء يحقق ثقافة التعارف والتعايش الفعال؛ الذي ينقل قيم الأديان من عالم المثل إلى أرض الواقع، بحيث يتم تغيير الموضوعات التي يلتقي حولها أهل الأديان والعقائد ويتحاورن فيها لتتناسب مع النموذج الجديد لثقافة التعايش الفعال.

وهنا يقترح أن يتم وضع أجندة لتوظيف المرجعيات الدينية لنشر ثقافة التعارف والتفاعل لتحقيق التنمية المستدامة والازدهار الاقتصادي، ولنشر قيم السلام العادل، والقضاء على الصراعات الدينية والعرقية. ولضمان أمن المجتمعات والأفراد وتحقيق السعادة للبشر. كذلك يتم نشر ثقافة التعارف والتفاعل لضمان تمتع البشر بالعدالة وحكم القانون، ولتأمين مستقبل الأرض والحفاظ على البيئة، ولتعميم القيم والأخلاق الإنسانية الراقية، ولضمان وصول التعليم لكل إنسان في القارة السمراء، للقضاء على الجهل والفقر والمرض.

تستطيع مصر أن تقدم الخير لأفريقيا إذا خرجت ثقافة المجتمع المصري من حالة التقوقع حول الذات، وانتقلت إلى حالة الإيجابية والانفتاح على الآخرين خصوصا من أبناء العلم العربي وأفريقيا، وهم الأقربون جغرافيا وتاريخيا، وتستطيع مصر في فترة رئاستها للاتحاد الأفريقي أن تقدم نموذجا للتعايش، والتسامح في القارة السمراء، فتخرج من أزماتها، وتسهم في إخراج الآخرين من أزماتهم، وتعود مصر مصدر خير ورخاء للقارة السمراء.

نقلا عن "الأهرام"

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات