سياسة

عناق المساجد والكنائس في مصر المحروسة

الأحد 2019.1.6 07:43 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 531قراءة
  • 0 تعليق
عبدالمحسن ‬سلامة

في بيت الأسرة القديم في قريتي التي نشأت فيها، وما زلت أعيش، كان منزلنا يجاور منزل أحد الإخوة المسيحيين، وكان بين المنزلين «شباك» مشترك يفتح فيما بينهما، وظل هذا الحال قائماً حتى حانت لحظة هدم المنزل وتجديده، وجاء «عم فوزي» الجار المسيحي يسأل والدي (رحمهما الله) عن الحائط المشترك، فيما بين المنزلين، وهل سيتم هدمه أم لا؟!

مسجد الفتاح العليم وكاتدرائية ميلاد المسيح يعكسان روح التسامح الجديدة التي أصبحت سائدة في السلوك الرسمي للدولة في التعامل بين أبناء الشعب المصري الواحد، والأهم أن ينتقل ذلك السلوك إلى المواطن المصري «مسلماً كان أو مسيحياً» في كل أفعاله وتصرفاته

على الفور تلقى «عم فوزي» الإجابة بأنه لا مشكلة على الإطلاق، وأن الحائط سيستمر حتى «لا ينكشف» منزل «عم فوزي»، وشربا الشاي معاً وانصرف كل إلى حال سبيله.

كان الشباك المشترك مصدراً لتبادل الأحاديث بين سيدات الأسرتين، وتبادل الهدايا في الأعياد وغيرها، ولم يكن أبداً مصدراً «للمنغصات» أو المشكلات بين الأسرتين، بدليل أنه ظل موجوداً حتى حان موعد هدم المنزل لتجديده.

تلك هي الروح التي كانت وما زالت سائدة في مصر المحروسة فترات طويلة من التاريخ، منذ الفتح الإسلامي لمصر في عام 21 هجرية الموافق 642 ميلادية، على يد عمرو بن العاص، إلا أنه للأسف الشديد هناك من يريد إحداث الوقيعة والفتنة بين الشعب الواحد (مسلمين وأقباط)، وعلى مدى الفترات التاريخية المتعاقبة، استطاع الشعب المصري عبور كل الأزمات التي يحاول البعض افتعالها وإثارتها، وقد تزايدت وتيرة محاولات بث الفتنة منذ نهاية السبعينيات بظهور الجماعات المتطرفة، واستمرت تلك النبرة البغيضة بعد ذلك، حتى أصبحنا نسمع من يحرم تهنئة الأقباط بعيدهم ناسياً أن الدين الإسلامي لا يمنع زواج المسلم بأهل الكتاب (المسيحيين - اليهود)، فكيف لزوجين يعيشان معاً تحت سقف بيت واحد ألا يهنئ أحدهما الآخر.

نبرة بغيضة ليس لها علاقة بروح الإسلام السمحة، وإنما تتعلق بروح التعصب والكراهية وضيق الأفق، وهي الآفة التي لا تتعلق بالفتنة بين المسلمين والمسيحيين فقط، وإنما تنتشر وتمتد إلى أهل الدين الواحد نفسه، بعد أن تم تقسيم الدين الواحد إلى شيع وطوائف، كما هو الحال في مذاهب المسلمين والمسيحيين، وبغض النظر عن التقسيم والاختلافات في وجهات النظر فإن من يشعل الفتنة بين المسلمين والمسيحيين هو ذاته من يشعل الفتنة بين السنة والشيعة، وهو نفسه من يحرض على أعمال القتل والعنف وسفك الدماء لأتفه الأسباب، لهدف واحد هو تدمير الدولة وإضعافها.

في فترة من الفترات وجدنا من يطالب بهدم الأهرامات وتحطيم أبوالهول، لكونها أوثاناً وأصناماً تعبد من دون الله.

تلك نوعية من العقول الغريبة التي لا يتوقف أصحابها عن الشطط، والتي تسيء لنفسها أولاً، لكنها تشوه صورة المسلمين في العالم كله، وهؤلاء ينسون أن الإسلام جاء لمحاربة الجهل والفقر والتخلف، وفي الأسبوع الماضي أصدر الرئيس عبدالفتاح السيسي قراراً بتشكيل اللجنة العليا لمواجهة الأحداث الطائفية برئاسة مستشار رئيس الجمهورية لشؤون الأمن ومكافحة الإرهاب، وعضوية ممثلين عن هيئة عمليات القوات المسلحة، والمخابرات الحربية، والمخابرات العامة، والرقابة الإدارية، والأمن الوطني.

ووفقاً للقرار، فإن للجنة أن تدعو لحضور اجتماعاتها من تراه من الوزراء أو ممثليهم وممثلي الجهات المعنية، وذلك عند نظر الموضوعات ذات الصلة، وتتولى اللجنة العليا لمواجهة الأحداث الطائفية وضع الاستراتيجية العامة لمنع ومواجهة الأحداث الطائفية، ومتابعة تنفيذها، وآليات التعامل مع الأحداث الطائفية حال وقوعها.

صحيح أن معظم هذه الأحداث تنتهي بالتصالح والجلسات العرفية التي يشارك فيها أولياء الدم ورجال الأمن والشيوخ والقساوسة، إلا أن هذه الجلسات -رغم أهميتها- لا تنجح في استئصال العنف الطائفي من جذوره، وأعتقد أن ذلك الأمر كان أحد الأسباب القوية التي دفعت الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى تشكيل اللجنة العليا لمواجهة الفتنة الطائفية، والعمل على استئصال تلك المشكلة بقواعد وضوابط واضحة، بعيداً عن «جبر الخواطر» والاكتفاء بالجلسات العرفية.

أظن أن تشكيل اللجنة العليا لمواجهة الفتنة الطائفية يأتي اتساقاً مع المادة 53 من الدستور، لاقتلاع الفتنة الطائفية من جذورها بالقانون وعلى المدى الطويل، إلى جوار اللجنة فهناك عمل دؤوب جرى لإزالة كل أشكال التوتر بين المسلمين والمسيحيين، وتغيير ثقافة العنف التي تسكن عقول البعض على طريقة «مصاصي الدماء».

أيضا فإن الحرص على ترسيخ مبادئ المساواة والتسامح جزء مهم تجاه التحرر من العنف والتعصب، وأعتقد أن ما يجري على قدم وساق لافتتاح «مسجد الفتاح العليم» بالعاصمة الإدارية الجديدة و«كاتدرائية ميلاد المسيح» يسيران في الاتجاه نفسه من غرس قيم التسامح وقبول الآخر، ومنع التمييز والمساواة بين أفراد الشعب الواحد بمسلميه ومسيحييه.

مسجد الفتاح العليم وكاتدرائية ميلاد المسيح يعكسان روح التسامح الجديدة التي أصبحت سائدة في السلوك الرسمي للدولة في التعامل بين أبناء الشعب المصري الواحد، والأهم أن ينتقل ذلك السلوك إلى المواطن المصري «مسلماً كان أو مسيحياً» في كل أفعاله وتصرفاته بعيداً عن الشطط وروح الكراهية والتعصب.

نقلا عن "البيان"

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات