الإمارات تقود ثورة صحية.. اعتماد أقراص تخسيس تُنهي عصر جراحات التكميم (خاص)
تغير الحديث فجأة في العيادات ومراكز التغذية، فلم يعد يدور فقط حول الحميات القاسية أو الجراحات، بل عن أدوية تضبط الشهية نفسها.
ووسط هذا التحول، برز اسم "مونجارو"، والمعروف علميا باسم "تيرزيباتيد" (tirzepatide) ، كأحد أبرز نجوم المرحلة، وهو دواء أحدث نقلة نوعية في علاج السمنة والسكري، وفتح الباب لتوقعات أكبر بكثير: ماذا لو تحول إلى أقراص سهلة بدلا من الحقن؟ وهل يمكن حينها أن تختفي جراحات التكميم من المشهد؟

القصة بدأت مع فهم أعمق لهرمونات الشبع في الجسم، خاصة تلك المرتبطة بما يُعرف بعائلة " GLP-1" ، فهذه الهرمونات لا تُقلل فقط من الشهية، بل تُبطئ إفراغ المعدة وتؤثر في مراكز الإحساس بالجوع في الدماغ.
وهنا جاء دور مونجارو، الذي يعمل بطريقة مزدوجة على هرموني " GLP-1 " و"GIP"، وهو ما منحه تأثيرا أقوى من الأجيال السابقة، وفي تجارب سريرية نُشرت في دوريات طبية مرموقة مثل "ذا نيو إنجلاند جورنال أوف ميدسين"، تمكن المرضى من فقدان ما يقارب خمس وزنهم، وهي نتائج كانت تقارن سابقا فقط بالجراحات.
حلم الكبسولات
لكن هذا النجاح صاحبه قيد واضح، وهو أن الدواء يُعطى عبر حقن أسبوعية، ورغم أن كثيرين تقبلوها، ظلّ الحلم قائمًا بتبسيط التجربة أكثر، هنا بدأ السباق نحو تطوير نسخة فموية، غير أن تحويل دواء مثل "مونجارو " إلى أقراص ليس أمرًا بسيطًا، لأن هذه الجزيئات البروتينية تتحلل سريعًا في الجهاز الهضمي قبل أن تصل إلى الدم، وهو ما أكده باحثون في دراسات منشورة عبر " نيتشر ريفيوز درج ددسكفري"، لذلك، لم تُطرح حتى الآن أقراص معتمدة من مونجارو نفسه.
ومع ذلك، لم تتوقف الشركات عند هذا الحد، فقد اتجهت شركة" إيلاي ليلي"، المنتجة لدواء "مونجارو" إلى تطوير جيل جديد من الأدوية الفموية، أبرزها مركب يُعرف باسم أورفورغليبرون " orforglipron"، وهو ليس نسخة مطابقة من "مونجارو"، بل جزيء مختلف صُمم ليُؤخذ عن طريق الفم مع الحفاظ على نفس الفكرة، وهي تقليل الشهية وتحسين استجابة الجسم للسكر.
وأظهرت نتائج المراحل السريرية المتقدمة، التي أعلنتها الشركة وناقشتها مجلات علمية مثل "ذا لانسيت فقدانا ملحوظا للوزن وتحسنا في مؤشرات التمثيل الغذائي، حسث كشفت أحدث تجربة سريرية حديثة شملت 3127 مريضًا تناولوا الدواء لمدة 72 أسبوعًا، متوسط فقدان وزن بلغ 12.3 كيلوغرامًا لكل شخص.
وبناء على هذه النتائج، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على دواء أورفورغليبرون، الذي يباع تحت الاسم التجاري "فاوندايو" في الأول من أبريل، ليتم استخدامه من قِبل الأشخاص الذين يعانون من زيادة الوزن أو السمنة ولديهم مشكلة صحية واحدة على الأقل مرتبطة بالوزن، مثل ارتفاع ضغط الدم أو مشاكل القلب أو الكلى.
وبعد هذه الموافقة، أجازت دولة الإمارات العربية المتحدة هذا الدواء، لتصبح ثاني دولة في العالم تُجيز استخدامه، وسيتم طرحه بالأسواق الشهر المقبل، في خطوةٍ تُعتبر دفعة قوية في مكافحة السمنة.

هل ينتهي عصر جراحات التكميم؟
ووسط هذه التطورات، بدأ سؤال أكبر يفرض نفسه: إذا أصبحت هذه الأدوية متاحة في صورة أقراص فعالة، فهل ستُطيح بجراحات التكميم؟
ظاهريا، يبدو الأمر منطقيًا. فالأدوية الجديدة تحقق فقدان وزن كبير دون مشرط جراح، وتشبه في تأثيرها تقليل الشهية الذي تحدثه الجراحة. لكن الواقع الطبي أكثر تعقيدا.
وتشير دراسات متابعة نُشرت في "جاما" وتقارير في " ذا فارماسيوتيكل جورنال" إلى أن نسبة كبيرة من المرضى تستعيد جزءا من وزنها بعد التوقف عن حقن التخسيس، ما يعني أن تأثير الأدوية، حتى بعد التحول للبديل من الكبسولات، يعتمد على الاستمرار طويل الأمد.
في المقابل، توفر الجراحة نتائج أكثر استدامة لبعض الحالات، خاصة لدى المرضى الذين يعانون من سمنة مفرطة مع مضاعفات صحية خطيرة.
هذا التوازن بين الفعالية والاستدامة يجعل من الصعب الحديث عن "نهاية" وشيكة لجراحات التكميم أو حتى لبقية أدوية التخسيس، فما يحدث في الواقع هو إعادة تشكيل كاملة للسوق.
ويقول خبير التصنيع الدوائي أحمد عزازي، لـ«العين الإخبارية»، إن "الأدوية الحديثة، سواء كانت حقنا أو أقراصا، ستدفع نحو نموذج جديد يعتمد على التحكم البيولوجي في الشهية بدلا من الاعتماد فقط على الإرادة أو التدخل الجراحي، وفي الوقت نفسه، تظل هناك تحديات لا يمكن تجاهلها، مثل الآثار الجانبية الهضمية التي وثقتها دراسات متعددة، والحاجة إلى متابعة طبية مستمرة، إضافة إلى تساؤلات حول سلامة الاستخدام طويل الأمد للأدوية الفموية الجديدة".

ويضيف أن الحديث عن "حبوب ستقضي على كل شيء" أقرب إلى الطموح منه إلى الواقع الحالي، فما نشهده هو بداية مرحلة مختلفة، قد يصبح فيها فقدان الوزن أسهل وأكثر قابلية للتحكم، لكن ليس بالضرورة أبسط أو خاليا من التعقيدات".
ويختم قائلا: "تبقى الحقيقة أن علاج السمنة لن يعتمد على حل واحد، بل على مزيج من الأدوية ونمط الحياة، وربما الجراحة أيضا، كل بحسب حالة المريض".