فرنسا والمعركة ضد الإخوان.. جدل يتصاعد على طريق 2027 (خبراء)
ملف مكافحة الإسلام السياسي يفرض نفسه تدريجيا كأحد أكثر الموضوعات حساسية وإثارة للانقسام داخل المشهد السياسي الفرنسي.
ويأتي تصاعد الجدل في سياق الاستعداد للانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2027، فبينما تختلف تسمياته بين "الإسلاموية" و"التطرف" و"الانفصالية"، إلا أن حضوره بات واضحًا في خطابات أبرز الأحزاب، خاصة في اليمين، مقابل تحفظات في اليسار ومقاربة مؤسساتية في الوسط.
بين الأمن والهوية
في قراءته للموضوع، يرى جون إيف كامو، أستاذ العلوم السياسية الفرنسي المتخصص في الأحزاب السياسية وأقصى اليمين، أن تصاعد ملف مكافحة الإسلام السياسي يعكس رؤية أوسع في السياسة الفرنسية.
وفي حديث لـ"العين الإخبارية"، يضيف كامو أن "النقاش انتقل من الإرهاب كتهديد أمني مباشر إلى نقاش أوسع حول الهوية والثقافة ومكانة الدين في المجال العام".
وأشار إلى أن اليمين نجح في تحويل هذا الملف إلى محور تعبوي انتخابي دائم، لافتاً إلى أنه اتضح من مواقف الأحزاب الفرنسية أن ملف "مكافحة الإسلام السياسي" يتوزع بين 3 مقاربات رئيسية.
وموضحا الجزئية الأخيرة، يقول كامو إن المقاربات تشمل "إما معادلة صدامية تعتبره تهديدًا وجوديًا في خطاب أقصى اليمين، وإما مقاربة أمنية قانونية لدى اليمين التقليدي، وإما مقاربة مؤسساتية حذرة في الوسط، مقابل رفض أو تحفظ واضح من اليسار".
ويشير الخبير ذاته إلى أنه مع اقتراب انتخابات 2027، يبدو أن هذا الملف سيبقى حاضرًا بقوة في النقاش السياسي الفرنسي، ليس فقط كقضية أمنية، بل كجزء من صراع أوسع حول الهوية ومستقبل النموذج الجمهوري في فرنسا.
في قلب المواجهة
يعد حزب "التجمع الوطني" بقيادة ماين لوبان الأكثر وضوحًا في وضع ملف "الإسلام السياسي" ضمن أولوياته السياسية، ففي خطاباتها المتكررة، شددت لوبان على ما تصفه بـ"خطر الإسلاموية" على النموذج الجمهوري الفرنسي، معتبرة أنه تهديد مباشر للأمن والهوية الوطنية.
ويقوم خطاب الحزب على فصل واضح بين الإسلام كدين، وبين ما يعتبره "تيارات سياسية دينية"، حيث يتم تقديم الأخيرة باعتبارها خطرًا أيديولوجيًا يجب مواجهته تشريعيًا وأمنيًا.
وصرحت مارين لوبان بأن "الخطر الأول على فرنسا هو الإسلام السياسي"، مؤكدة في الوقت نفسه على ضرورة التمييز بين الإسلام كدين يعتنقه مواطنون فرنسيون، وبين من تصفهم بـ"الإسلاميين" الذين تعتبرهم تهديدًا أمنيًا وسياسيًا، بحسب ما نقلته صحيفة "لوموند" الفرنسية.
ويعد هذا التفريق عنصرًا أساسيًا في خطابها السياسي، إذ تسعى من خلاله إلى توسيع قاعدتها الانتخابية عبر طمأنة فئات من الناخبين مع الحفاظ على موقف متشدد تجاه ما تعتبره تطرفًا دينيًا.
موقع محوري
في برنامجها المرتقب لانتخابات 2027، تحتل "مكافحة الإسلام السياسي" موقعًا محوريًا، حيث تطرح جملة من الإجراءات تشمل حل جمعيات توصف بالمتشددة، وإغلاق مساجد سلفية، وتشديد قوانين العلمانية، إلى جانب مقترحات متكررة داخل حزب التجمع الوطني تتعلق بحظر الحجاب في الفضاء العام.
ووفق شبكة "سي نيوز" الفرنسية، فإنه بهذا يطرح هذا الملف ليس كقضية فرعية بل كجزء أساسي مرتبط بقضايا الأمن والهوية الوطنية والهجرة، إذ تقدمه لوبان كأحد أعمدة حملتها الانتخابية وكتحدٍ وجودي للدولة الفرنسية.
وفي هذا السياق، يدعو الحزب إلى إجراءات صارمة تشمل حل جمعيات، وإغلاق مؤسسات دينية تصنف بأنها متطرفة، إلى جانب تشديد القيود على بعض المظاهر الدينية في الفضاء العام.
ويرى مراقبون أن هذا الملف لم يعد مجرد عنصر في برنامج الحزب، بل أصبح أحد الأعمدة الأساسية في خطابه الانتخابي، مرتبطًا مباشرة بقضايا الهجرة والأمن والسيادة.
أكثر من خطاب أيديولوجي
في المقابل، يتبنى حزب الجمهوريين (يمين) مقاربة أقل حدة، تركز على الجانب الأمني والمؤسساتي.
ويبرز اسم برونو روتايو، وزير الداخلية الفرنسي السابق وزعيم حزب الجمهوريين ومرشح الحزب للانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة 2027، كأحد أبرز الأصوات داخل الحزب التي تتحدث عن "الاختراق الإسلامي" لبعض مؤسسات المجتمع المدني.
ويطرح هذا التيار حلولًا تشريعية تهدف إلى تعزيز الرقابة على الجمعيات، وتشديد تطبيق مبدأ العلمانية، إضافة إلى مقترحات مثيرة للجدل تتعلق بتنظيم بعض المظاهر الدينية في المجال العام.
كما يدفع الحزب باتجاه اعتبار بعض الحركات ذات الطابع الإسلامي السياسي تهديدًا ينبغي التعامل معه ضمن إطار أوروبي مشترك.
ورغم ذلك، يبقى الملف ضمن سياق أمني وقانوني أكثر منه مشروعًا أيديولوجيًا شاملًا كما هو الحال في خطاب أقصى اليمين..
وفي تعقيبها، تعتبر قالت الباحثة المتخصصة في الحركات الإسلاموية في أوروبا ناتالي لوفلوا، أن تصاعد حضور الإخوان في النقاشات الأوروبية لا يرتبط فقط بالبعد الديني، بل بطبيعة مشروعها السياسي الذي يسعى إلى التغلغل التدريجي داخل المجتمعات عبر أدوات مدنية وتعليمية وجمعوية.
وتوضح لوفلوا، في حديثها لـ"العين الإخبارية"، أن الإشكال لا يكمن في التدين بحد ذاته، بل في "تسييس الدين" وتحويله إلى أداة تنظيمية ذات أهداف طويلة المدى، لافتة إلى أن هذا النمط من الحركات يطرح تحديًا خاصًا للنموذج الأوروبي القائم على الفصل بين المجالين الديني والسياسي.
وبالنسبة لها، فإن التجربة الأوروبية خلال العقدين الماضيين أظهرت أن بعض الشبكات المرتبطة بالإخوان تعتمد ما تصفه بـ"الاستراتيجية الناعمة"، أي العمل ضمن الأطر القانونية مع الحفاظ على خطاب مزدوج، أحدهما موجه للداخل التنظيمي والآخر للرأي العام.
وترى أن هذا الأسلوب يجعل من الصعب على السلطات التعامل مع الظاهرة، لأنها لا تتجلى دائمًا في شكل عنيف أو مباشر، بل عبر تأثير تراكمي داخل مؤسسات المجتمع المدني، وهو ما يثير مخاوف لدى عدد من الحكومات الأوروبية من إمكانية تشكل “بنى موازية” تحمل مرجعية أيديولوجية مختلفة عن قيم الدولة.
وأكدت لوفلوا أن التحدي الحقيقي يكمن في إيجاد توازن دقيق بين حماية الحريات الدينية من جهة، ومنع استغلالها لأهداف سياسية منظمة من جهة أخرى، مشددة على أن الخلط بين المسلمين كجماعة دينية متنوعة وبين تنظيمات ذات مشروع سياسي مثل الإخوان يمثل خطأ تحليليًا وسياسيًا.
ورأت الباحثة الفرنسية ذاتها أن تجاهل البعد الأيديولوجي لهذه الحركات أو التقليل من تأثيرها قد يؤدي إلى نتائج عكسية، داعية إلى مقاربة قائمة على الشفافية، والرقابة القانونية، وتعزيز بدائل مدنية مندمجة داخل الإطار الجمهوري الأوروبي.
الانفصالية بدل الإسلام السياسي
أما حزب "النهضة" (وسط) بقيادة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فيعتمد مقاربة مختلفة تقوم على مفهوم "مكافحة الانفصالية" بدل استخدام مصطلح "الإسلام السياسي" بشكل مباشر.
ويؤكد ماكرون في خطاباته أن الدولة الفرنسية تواجه أشكالًا من التطرف عندما تتعارض مع مبادئ الجمهورية، لكنه يفضل أدوات قانونية وإدارية بدل الخطاب السياسي الحاد.
وتشمل هذه السياسة مراقبة التمويل، وتعزيز الرقابة على الجمعيات، وتشديد تطبيق مبادئ العلمانية داخل المؤسسات العامة.
ويعتبر أستاذ العلوم السياسية الفرنسي في معهد باريس للدراسات السياسية دومنيك رينيه في حديثه لـ"العين الإخبارية"، أن "نهج حزب النهضة الفرنسي في التعامل مع الإسلام السياسي يهدف إلى تحقيق توازن بين الأمن والحفاظ على التماسك الاجتماعي، دون الانزلاق إلى خطاب استقطابي".
وأشار إلي أن تعامل الأحزاب السياسية في فرنسا مع ملف مكافحة الإسلام السياسي يختلف بين كل حزب وآخر وفقاً لأهدافه ومفهوم كل حزب حول إعادة تشكيل الخطاب السياسي حول الهوية، وكذلك انتقال النقاش من "الإرهاب" إلى "الثقافة والهوية".
وأكد أن أحزاب اليمين والوسط نجحت في تحويل الأمن الثقافي إلى محور انتخابي دائم للكشف عن تغلغل الإسلام السياسي في المجتمع الفرنسي.
تحذير من التوظيف السياسي
في المقابل، يتخذ حزب "فرنسا الأبية" (يسار راديكالي) موقفًا نقديًا من مفهوم "الإسلام السياسي" ذاته.
كما كشفت عدة تقارير في البرلمان الفرنسي عن أن الحزب متورط في ضمه لعناصر مشبوهة محسوبة على تنظيم الإخوان في فرنسا، لا سيما في الانتخابات البلدية الأخيرة، بحسب مجلة "ماريان" الفرنسية.