«فيتو ترامب» يخلط أوراق بغداد.. ائتلاف السوداني يتجاوز المالكي
تشهد الساحة السياسية العراقية تصعيداً غير مسبوق في التوترات المتعلقة بملف تشكيل الحكومة المقبلة.
هذا التصعيد مرتبط بالأساس بالموقف الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الليلة الماضية، برفضه ترشيح زعيم "ائتلاف دولة القانون" نوري المالكي لشغل منصب رئيس الوزراء في الحكومة المقبلة، بعد أن رشحه "الإطار التنسيقي" مساء السبت الماضي.
وجاء انسحاب السوداني، الذي حصل ائتلافه في الانتخابات البرلمانية على الأغلبية بحصده 47 مقعداً، بعدما رفض المالكي التجديد له لولاية ثانية، ما دفع الأول لتأييد ترشيح المالكي "على مضض"، وفق مراقبين.
لكن "ائتلاف الإعمار والتنمية" بزعامة السوداني أعلن مساء الأربعاء، بشكل مبطن تراجعه عن دعم ترشيح المالكي، بالتزامن مع رفض علني من ترامب لنوري المالكي، ملوحاً بإجراءات قد تصل إلى وقف الدعم الأمريكي لبغداد.
وقال "ائتلاف الإعمار والتنمية"، في بيان اطلعت عليه "العين الإخبارية"، إنه "بصفته جزءًا من الإطار التنسيقي، والكتلة النيابية الأكثر عدداً، وهو صاحب الاستحقاق الدستوري في تشكيل الحكومة، يؤكد مسؤوليته في ترشيح من يراه قادراً ومؤهلاً على مواجهة التحديات ومعالجة الأزمات".
وشدد الائتلاف على أن تشكيل الحكومة "شأن وطني عراقي نابع عن الإرادة الشعبية"، لكنه أكد في الوقت ذاته أهمية إقامة علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة على أساس الاحترام المتبادل.
ورغم عدم إعلانه الانسحاب الصريح من دعم المالكي، إلا أن مصادر سياسية داخل الإطار تؤكد أن الائتلاف بات أقل حماسة لإعادة ترشيحه، في ظل إدراكه لحجم الضغوط الأمريكية، وتعقّد فرص تمرير الحكومة دون توافق دولي ضمني.
وشدد الائتلاف على أن "تشكيل الحكومة شأن عراقي وطني، ينبثق من إرادة الشعب التي عبّرت عنها الانتخابات الحرة والنزيهة، بما يضمن تمثيل تطلعات المواطنين وخدمة أولوياتهم في الأمن والاستقرار والتنمية والخدمات، وضرورة مواصلة عملية التشكيل بما يفضي إلى نتيجة شاملة تراعي مصالح جميع العراقيين، لما لذلك من أهمية لمستقبل العراق والمنطقة".
وأكد ائتلاف السوداني إيمانه بضرورة إقامة علاقات إيجابية ومتوازنة مع الدول الصديقة والحليفة، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، على أساس الاحترام المتبادل للسيادة الوطنية، والمسارات الدستورية، ومخرجات العملية الديمقراطية.
وتابع "الشعب العراقي، وفي ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها المنطقة، يتطلع إلى حكومة وطنية جامعة تمثل إرادته، وتحفظ أمنه واستقراره، وتحقق تطلعاته، وتصون سيادة بلاده، وتنفتح على التكامل الإيجابي مع المجتمع الدولي".
هذا التطور يضع قوى الإطار التنسيقي أمام مأزق سياسي معقّد، في ظل ضغوط خارجية متزايدة، وانقسامات داخلية حول هوية المرشح المقبل، وحدود الاستجابة للمواقف الأمريكية دون المساس بمبدأ السيادة الوطنية.
رسالة واشنطن: لا للمالكي
رفض ترامب الصريح لإعادة ترشيح المالكي حمل دلالات سياسية عميقة، إذ ربط الموقف الأمريكي بين استمرار الدعم الاقتصادي والسياسي للعراق وبين طبيعة الحكومة المقبلة، في رسالة فُهمت داخل بغداد على أنها ضغط مباشر لإعادة هندسة المشهد السياسي بما ينسجم مع المصالح الأمريكية ويحدّ من نفوذ القوى المقربة من إيران.
مصادر سياسية في بغداد تشير إلى أن واشنطن ترى في المالكي شخصية "استقطابية" تعيد العراق إلى أجواء العزلة والتوتر، في وقت تسعى فيه الإدارة الأمريكية إلى حكومة أكثر براغماتية، منفتحة على الغرب، وقادرة على ضبط الفصائل المسلحة.
الإطار التنسيقي تحت الضغط
في المقابل، وجد الإطار التنسيقي نفسه في موقف بالغ الحساسية. فبينما ترفض بعض قواه ما تعتبره "تدخلاً سافراً في القرار العراقي"، يرى آخرون أن تجاهل الموقف الأمريكي قد يجرّ البلاد إلى أزمة اقتصادية خانقة.
وكشف القيادي في ائتلاف الإعمار والتنمية قصي محبوبة أن جهات داخل الإطار كانت "سعيدة" بموقف ترامب ضد المالكي، معتبراً أن الخطاب الشعبوي والتصعيد ضد واشنطن لا يخدم مصالح العراق، داعياً إلى فتح حوار صريح مع الولايات المتحدة بدل المواجهة السياسية.
الحكيم: الواقعية ضرورة
من جانبه، تبنّى تيار الحكمة الوطني (18 مقعدا) بزعامة عمار الحكيم موقفاً أكثر براغماتية، إذ أكد النائب عن تياره أحمد الساعدي أن تجاهل رسالة ترامب ليس خياراً واقعياً.
وحذر النائب الساعدي من أن أموال النفط العراقية موجودة في الولايات المتحدة، وأي تقييد لها قد يشعل اضطرابات اجتماعية واسعة.
وقال الساعدي إن العراق قد يواجه "تظاهرات الجياع" في حال تعرّضت الإيرادات النفطية للحظر أو التقييد، ما يجعل خيار "العقلانية السياسية" ضرورة في إدارة العلاقة مع واشنطن.
تحالف النهج
بدوره، حاول تحالف النهج الوطني (12 مقعداً) الذي دخل في تحالف في الانتخابات البرلمانية الأخيرة مع المالكي، تقديم صيغة وسطية، مؤكدًا رفضه أي تدخل في الشؤون الداخلية.
لكنه شدد في الوقت نفسه على أهمية الحوار السياسي مع واشنطن، واحترام المسارات الدستورية ومخرجات الانتخابات.
مرشح تسوية
المشهد الحالي يعكس حقيقة أعمق: تشكيل الحكومة العراقية لم يعد ملفاً داخلياً صرفاً، بل بات جزءاً من توازنات إقليمية ودولية معقدة، تتداخل فيها المصالح الأمريكية والإيرانية، وحسابات الاستقرار الاقتصادي، ومخاوف الانفجار الاجتماعي، وفق مراقبين.
وبينما يحاول الإطار التنسيقي الحفاظ على تماسكه، تتزايد المؤشرات على أن المرحلة المقبلة ستشهد إعادة فرز داخلية للأسماء والخيارات، قد تفضي إلى البحث عن "مرشح تسوية" لا يصطدم بواشنطن ولا ينسف توازنات الداخل الشيعي، حسب المراقبين.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuODQg جزيرة ام اند امز