سياسة

ليس تطبيعا.. ولكن تعاون إقليمي محسوب للمصالح العربية

الخميس 2018.11.15 08:19 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 450قراءة
  • 0 تعليق
د. طارق فهمي

كثيرة هي الرؤى التي تنتقد وتتحفظ على الحركة الإسرائيلية الحالية في الإقليم، وترى أنها حركة تخصم من التحركات العربية والمصالح العربية على مختلف مجالاتها ومستوياتها السياسية والاقتصادية والثقافية، والواقع يشير إلى عكس ذلك، بصرف النظر عن المضي قدما تجاه أية مشروعات عربية إسرائيلية مطروحة في هذا التوقيت، وتنطلق من رؤية المعادلة من جانب واحد.. حوار شائك يحتاج إلى معالجة هادئة وموضوعية.

الإشكالية التي يجب أن تشغلنا كدول عربية كيف نتعامل مع إسرائيل، وكيف نحدد أولوياتنا السياسية والاستراتيجية بوضوح وشفافية، خاصة أن التحفظ أو الرفض لما يطرح إسرائيليا لم يعد مجديا بل سيؤدي إلى تداعيات حقيقية على المشهد العربي الراهن
أولا: ليست هذه هي المرة الأولى التي تطرح فيها إسرائيل رؤية اقتصادية واستثمارية من خلال مشروعات مشتركة عربية إسرائيلية إقليمية، فقد سبق للحكومات الإسرائيلية منذ حقبة التسعينيات وبعد مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط أن شكلت لجانا متخصصة؛ في مجال ضبط التسلح، وترتيبات الأمن الإقليمي، والمستوطنات واللاجئين والقدس، والمياه والتنمية الاقتصادية وغيرها، وكانت هذه اللجان مشتركة وحضرها الجانبان العربي والإسرائيلي، لتحديد شكل المنطقة بعد تحقيق التسوية والسلام في الشرق الأوسط، بل عقدت عدة لقاءات في الدوحة ومسقط وعمان والقاهرة.

إذا ليس في الأمر جديد، ولكن نذكر لمن تناسى أن الدول العربية سبق أن دخلت في مفاوضات مباشرة في مجالات متخصصة، وكان ذلك منذ سنوات طويلة ومن حقبة التسعينيات، ومن ثم فإن الذين يتحفظون على ما يجري عليهم التذكر جيدا أن هناك مشروعا عربيا يعرف باسم المبادرة العربية للسلام في الشرق الأوسط والتي طرحتها الدول العربية للسلام مع إسرائيل شريطة انسحابها من الأراضي العربية المحتلة، ومن ثم فإن الدول العربية ستدخل في منظومة من العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والتجارية، كما ستقبل إسرائيل كدولة عضو في الإقليم الراهن جغرافيا وجيواستراتيجيا، وهكذا فإن الشروط العربية ما تزال قائمة ولم تسقط، بل أكد عيها مؤخرا وزير الخارجية السعودي عادل الجبير نفسه بأن مشروع السلام ما زال مطروحا وأن على إسرائيل إدراك ذلك.

ثانيا: لا يوجد أية مقارنات حقيقية بين انتقاد فكرة التطبيع دون مقابل وإقامة مشروعات دولية في الإقليم قد تشارك فيها إسرائيل ضمن دول أخرى إلى حين أن يتم السلام بصورة كاملة، بل هناك رأي موضوعي يرى ضرورة إعطاء إسرائيل الفرصة الذهبية للالتحاق بالإقليم من خلال دفعها إلى قبول خيارات تحفيزية كاملة، وعلى أساس أن إسرائيل تريد أن تصبح جزءا من الإقليم، ومن ثم فلا يمكن الاستمرار في نبذها في حال قبولها بالانسحاب من الأراضي العربية، وهو ما سيتم لا محالة، كما جرى في جنوب لبنان وغزة ومن قبل من سيناء، والمسألة في التوقيت الذي ستخرج فيه إسرائيل وتقبل بالتفاوض في ظل حكومة ضعيفة تخضع بالفعل لمزايدات انتخابية، ومن خلال تربيطات انتخابية ضيقة، وائتلاف عاجز على تحقيق أي تقدم في مسارات التسوية لافتقاده القدرة على التأثير وفرض خياراته، وهو أمر سيخضع لا محالة لرؤى أخرى في المدى المنظور، وإلى أن تسلم إسرائيل بواقع السياسة والتاريخ مثلما جرى في حالات الانسحاب السابقة ستستمر إسرائيل تبحث عن أمنها، وتعمل على التوصل لخيارات من جانب واحد، مع التأكيد على قدرة الاستمرار في ظل معطيات لا يمكن استبعادها أو عدم التوقف أمامها.

ثالثا: شاركت شخصيا كمفاوض في سنوات التفاوض العربي الإسرائيلي في المفاوضات المتخصصة، وجلست مع كبار مفكرين وقيادات إسرائيلية وأمريكية وأوروبية وعربية من مختلف الدول العربية في عدة عواصم عربية وأوروبية، وأنصت واستمعت لرؤى عديدة حول مستقبل المنطقة في ظل الاعتراف بإسرائيل والقبول بها في الإقليم العربي شريطة الانسحاب من الأراضي المحتلة، وكانت هناك آراء جديرة بالدراسة والتناول، منها ما عرضه الجانب العربي من أفكار بشأن التعامل المستقبلي مع إسرائيل في ظل امتلاكها النووي، كيف سنعيش معا؟ وماذا عن مستقبل المفاعلات النووية الإسرائيلية؟ وكيف سنقبل بها كعرب؟ ووقتها أطلق رئيس الدولة الأسبق شيمون بيريز تصريحه الشهير عندما يتحقق السلام والتسوية سنقبل بالتفاوض حول القنبلة والمفاعلات النووية، والرسالة التي أطرحها هنا جزء من كل؛ حيث سبق مناقشة إقامة مراكز تنبيه مبكر في عدة عواصم عربية وفي فلسطين، كما تم طرح فكرة الإبقاء على بعض المستوطنات، وقيام شركات ومؤسسات عربية ودولية عملاقة بإدارتها، إضافة إلى عشرات المشروعات الخاصة بين العرب والإسرائيليين في مجال مواجهة التصحر وتحلية المياه والبحث عن النفط، وغيرها من المشروعات الخاصة بالنقل واللوجستيات والسكك الحديدية التي تربط منطقة الخليج العربي بأوروبا عبر إسرائيل والأردن والأراضي المحتلة، وهو المشروع نفسه الذي يتردد العمل عليه في الوقت الراهن تحت مسمى قضبان السلام، وهو مشروع متطور لخط سكة الحديد الحجاز.. إذا لا جديد، والخلفيات التاريخية للتحركات العربية الإسرائيلية قائمة تحت مسمى التعاون الإقليمي.

رابعا: نعم توجد مخاوف حقيقية -تقدر قيمتها السياسية والاستراتيجية- بالتأكيد، والتي تشير إلى احتمال تركيز إسرائيل على التعاون الإقليمي وتتجاهل السلام السياسي المطروح، خاصة أن تحقيق السلام الاقتصادي بتنفيذ بعض مشروعاته سيحتاج إلى بعض الوقت في ظل خياراتها الانفرادية في الأراضي المحتلة مع تنفيذها مشروعها الاستيطاني في القدس وتصفية ملف اللاجئين، وهو الأمر الذي سيؤجل بل قد ينهي ملف السلام السياسي بالكامل، وهو الأمر الذي يجب الحذر منه والتخوف من تداعياته، ولكن بمزيد من تنسيق المواقف العربية العربية وإعادة ترتيب الحسابات سيتحقق مسار التعاون الإقليمي سياسيا واقتصاديا معا، في ظل التأكيد على قدرة الجانب العربي على البدء في التفاوض مع الجانب الإسرائيلي، ولعل التحرك الإسرائيلي تجاه سلطنة عمان تحديدا يشير إلى إمكانية أن تتحرك المياه الراكدة في ملف التسوية الفلسطينية الإسرائيلية بصورة أكثر وضوحا، وفي ظل مواقف عربية أكثر وضوحا تنتقل بالتفاوض الثنائي للمتعدد، ومن خلال موقف عربي موحد وعبر الجامعة العربية، التي سبق أن أصدرت المبادرة العربية، والتي لا تزال مطروحة كمشروع عربي كامل للتعامل الرسمي مع إسرائيل وبصورة واضحة وكاملة، وهو ما يجب استثماره والتأكيد عليه، خاصة أن إسرائيل لن تقدم على خطوة جديدة إلا في ظل رؤية متكاملة، وهو ما تخطط له جيدا وتمضي في تحقيقه، والإشكالية الحقيقية ليست القبول أو الرفض وإنما الأمر متعلق بما يمكن أن يطرح في السياق السياسي والاقتصادي العربي في المقابل.

خامسا: قد يرى البعض أن إسرائيل دولة السيلكون والتقدم العلمي والتكنولوجي، وأنها تحتل مكانة متقدمة في السنوات الأخيرة في تقارير التنمية البشرية، وهذا صحيح ولكن إسرائيل لا تزال في حاجة إلى حضور دولي واستيعاب في نطاقها الإقليمي، والتي ما تزال تبحث عنه بعد 70 عاما من قيامها، وهو ما يدفع الإسرائيليين دولة وساسة للتأكيد على أن إسرائيل يجب أن تصبح دولة مقبولة بشكل كامل، فالرأي العام الإسرائيلي يسأل حكومته ما جدوى السلام والحرب؟ ولماذا تبني آلاف الوحدات السكنية التي لا يسكنها أحد؟ ولماذا لا تنعم إسرائيل بالسلام؟ وما الذي اكتسبته إسرائيل من احتلال أراضي الغير؟ ولماذا لا تنصت إسرائيل لصوت العقل؟ وعشرات من الأسئلة الأخرى الشائكة التي تتردد الآن في إسرائيل على لسان جيل ما بعد الصابرا وجيل الشباب الصاعد في الكيوبتز والموشاف، مما يؤكد أن حراكا كبيرا يجري في إسرائيل غير منقول لنا في دوائر السياسة والأمن، ومن ثم فإن إسرائيل في حال من الارتباك الحقيقي لتحديد مساراتها ومستقبلها خلال السنوات المقبلة، ونحن نملك كدول عربية أن نؤثر ونعزف على ما يجري في إسرائيل من خلال ما يجري بالفعل ويحتاج إلى معالجة حقيقية.

لقد كتبت مؤلفا عن الاستشراف في إسرائيل والاهتمام بالمستقبل، وهالني أن هذا التقدم العلمي والاهتمام بالمستقبل عبر المشروعات الممتدة لسنوات طويلة تصل إلى عام 2075 يقابله حالة من الفشل الداخلي، وعدم وجود قيم مجتمعية وثقافية، وارتباك سياسي، وافتقاد الرؤية السياسية والاستراتيجية، بل إن هناك من الأكاديميين الإسرائيليين الكبار من طالب بإعادة صياغة المشروع الصهيوني بأكمله من جديد.

سادسا: إن الإشكالية التي يجب أن تشغلنا كدول عربية كيف نتعامل مع إسرائيل، وكيف نحدد أولوياتنا السياسية والاستراتيجية بوضوح وشفافية، خاصة أن التحفظ أو الرفض لما يطرح إسرائيليا لم يعد مجديا، بل سيؤدي إلى تداعيات حقيقية على المشهد العربي الراهن، وسيدفع بنا إلى أن نكون في دائرة رد الفعل، ونحن لسنا هكذا بل نملك مقومات ومقدرات حقيقية وهائلة ومعطيات في حاجة إلى ترتيب حقيقي، وهذا ما تدركه إسرائيل بالفعل، وتعمل على الانفراد بكل دولة على حده، والانطلاق لاستراتيجية تعاونية على مستويات ومتعددة في المدى الطويل، وفي المقابل فإن الدول العربية لديها من القدرات الدبلوماسية والاقتصادية الكثير الذي يمكن أن يوظف بصورة كبيرة، ويقف في مواجهة إسرائيل وتحركاتها في الإقليم على المستويات كافة، انطلاقا من حسابات عربية مصلحية في المقام الأول، وهو ما يجب العمل عليه وتطويره وتنميته في الفترة المقبلة، انطلاقا من أي تفاوض عربي إسرائيلي سيبدأ من سلطنة عمان ويمر بالبحرين، ووصولا لأدوار دول كبرى في الإقليم مثل السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، وهو ما تدركه إسرائيل، خاصة أنها تعمل انطلاقا من حسابات حقيقية تعلي من المنظور الاقتصادي على أي منظور سياسي أو دبلوماسي.

وفي المقابل تملك الدول العربية مرتكزات حقيقية للتحرك والعمل معا، كما تملك إسرائيل في المقابل قدرات متاحة في التحرك تجاه الدول العربية بدعم أمريكي ومساندة أوروبية غير معلنة، ومن ثم فإن المسألة ليست فقط الشروع في تنفيذ مشروع قضبان السلام أو اتفاقات مائية مشتركة وإنما في طرح استراتيجية عربية حقيقية في التحرك تجاه إسرائيل، انطلاقا من حسابات وتقييمات عربية خالصة.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات