منوعات

بالصور.. "أبوعبدو" فلسطيني يكافح بالإبرة والخيط ثقوب العيش

الأربعاء 2019.2.27 11:34 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 103قراءة
  • 0 تعليق
الخياط الفلسطيني أبوعبدو

الخياط الفلسطيني أبوعبدو

الساعة الباكرة تفتح أمامه الحياة من بابها المعهود، فبعد صلاة الفجر يجهّز نفسه للخروج من المنزل إلى محله وسط مدينة خان يونس، جنوب قطاع غزة، وتبدأ مع وصوله أصوات العمل وماكينات الخياطة، ومقصات تفتح أفواهها للأقمشة، فالجد سعيد أبوعبدو الخياط يحترف بالطباشير البيضاء الرسم على الملابس، لتحديد مسارات الحياكة، لاستكمال المهمة من بعده، بمقصات العمال وخيوط الماكينات.

 أبوعبدو قصة كفاح عمرها 45 سنة، وفي التقرير التالي تقرأ "العين الإخبارية" بعض فصولها لتبيان الثابت الفلسطيني فوق أرضه المجروحة بالاحتلال وحصاره.


يقول الجد أبوعبدو (65 سنة) إنَّ والده ورث عن جده مطعماً في سوق خان يونس قبل احتلال إسرائيل بكثير، لكنه غيّر نشاطه إلى الخياطة، وعندما بلغ الـ20 من عمره ذهب مع شقيقه الأكبر لمساعدته في المحل، ومنذ 45 سنة وهو يصاحب المقص والإبرة والخيط والطباشير والأقمشة.

سارت حياة الخياط الفلسطيني بين إخفاقات ونجاحات حتى أصبح اليوم من أشهر الخياطين في قطاع غزة، وزبائنه لا ينقطعون عنه لخصال كثيرة.

ولزهده بالمدح اعتذر لـ"العين الإخبارية" عن عدم الرد على سؤال: "لماذا أنت تحديداً يقصدك الناس؟"، لا يقول إنه شيخ الخياطين، ولكنه أكثرهم تفهماً لظروف الحياة وتبدّلها وأكثر من يراعي الفقير قبل المكسب المالي، هذا ما يقوله العامل الشاب حسن في محل الخياطة وهو عامل ليس من أبناء أبوعبدو.

ويضيف أبوعبدو: "اعتدت على معايشة الناس، والاختلاط بهم عبر مسيرتي في مهنة الخياطة، فأصبحت معروفاً بحكم الأمانة التي وجدوها في محلي، فأنا أصلح الملابس أكثر من تصميم الجديد منها، لأن أوضاع الناس في قطاع غزة لم تعد تسمح بالجديد المكلف، فمن يدفع 3 شواكل (أقل من دولار) على بنطال أو جاكيت أو بالطو حريمي، ويكتفي بإصلاحه ليعيش به سنة أو أكثر، أدرك أن الأوضاع صعبة للغاية وأكثر ما تعلمته في مهنتي هو معرفة أحوال الناس والتصّبر عليهم، وفي بعض الأحيان أستكفي بثمن الخيط فقط، وأتجاوز عن المعسرين، فالحياة فانية والرحمة مطلوبة".

مهنة الأب إرث للأبناء


أبوعبدو الذي تزوج منذ 47 سنة أنجب 6 أولاد ذكور، كلهم تعلموا الخياطة، وله ولد منهم أسير منذ سنين في سجون الاحتلال، يقول: "لست نادماً على مهنتي كخياط، لذا علمت جميع أبنائي الخياطة والتفصيل والحبكة وبعضهم التطريز، ولا أفرق بين ملابس الرجال والنساء، بل أكثر زبائني من النساء، ولا أرى في هذا عيباً بل هو شرف اكتسبته عبر السنين، بعد أن أثبت نفسي في هذا المجال".

ويضيف: "كثيرة هي المرات التي رفضت فيها عروضاً لتبديل مهنتي، وإصراري على البقاء مع المقص والخيط، وهذا نابع من قناعتي أنني قادر على خدمة مجتمعي بهذه المهنة، واكتسبت بعد هذا العمر الطويل خبرة أعتز بها اليوم، وسمعتي والحمد لله رأس مالي الحقيقي في الحياة، رغم أن ظروف المهنة لم تعد كما كانت بالسابق، فالدخل على المستطاع، يكفي لدفع أجرة المحل والعمال، ويعين على لقمة العيش، وهذا فضل من الله، وكل ما أتمناه أن نبقى على ستره، وأن يرفع عن قطاع غزة الحصار، وينهي هذا الوضع المأساوي فشعبنا الفلسطيني شعب طيب ويريد أن يعيش مستوراً وبكرامة".

محلات الخياطة الباب الخلفي لصناعة الملابس


"لم يترك الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 2007 مصنعاً واحداً للملابس في قطاع غزة، بعد أن كان القطاع يصدّر كميات هائلة من الملابس الجاهزة إلى إسرائيل، وأوروبا" يقول أبوعبده. 

ويضيف: "هذا ما دفع عمال هذه المصانع إلى فتح محلات خياطة بماكينة وعدة أدوات بسيطة، تدر عليهم الدخل مهما كان بسيطاً، وأنا كخياط قديم ومعروف في محافظة خان يونس لم أتأثر من زيادة عدد المحلات، لأن الله يقسم الأرزاق ومن يقنع يرضَ، بل حاولت استيعاب الكثير من عمال المصانع رغم عدم حاجتي إليهم بشكل ضروري، وهذا من باب فتح أبواب رزق لهم في هذه الظروف القاسية، والمعيقات الإضافية مثل انقطاع طويل للتيار الكهربائي، وارتفاع في أسعار الخيوط والأقمشة، والماكينات، ورغم ذلك لم أغلق محلي يوماً، مهما كانت الظروف، لأن الاستسلام للواقع يعني الفناء، فقليل يكسو خير من عدم يكسر، ولله الفضل والمنّة في كل ما نحن فيه".

ويقول تقرير اقتصادي إن عودة بعض مصانع الملابس الجاهزة في قطاع غزة للعمل بعد انقطاع طويل، وعلى استحياء شديد، لم يعالج البطالة المستشرية في سوق الملابس، لأن إنتاج 40 ألف قطعة شهرياً يعتبر رقماً زهيداً أمام ما كانت مصانع الملابس تنتجه في قطاع غزة قبل الحروب الإسرائيلية في السنوات الـ10 الأخيرة، فقطاع غزة كان يصدر إلى إسرائيل والعالم أكثر من 4 ملايين قطعة ملابس شهرياً.

السمعة الحسنة رأس مال


يعترف أبوعبدو أن تقدمه في السن قلّص ساعات عمله في المحل، وأن دوره انحصر على رسم حدود القصات بالطباشير الملونة، والإشراف على العمل بشكل لا يرهقه، ولكن رغم ذلك يقول: "لا أجد نفسي غير حامل مقص الخياطة، والإبرة زميلتي التي لم تخن يوماً، وصحيح أن عيوني لم تعد تقوى على إدخال الخيط بثقبها، ولكنني أجتهد لأبعث روح الحيوية والنشاط في الشباب العامل في المحل، وهي الحياة نكد بها ونشقى من أجل أن نبقى فوق الحاجة لا تحتها، والفلسطيني معروف عنه الصبر والتحمل والكفاح، وأنا كل ما أتمناه اليوم الخير لشعبي وللمسلمين جميعاً، وأن يعم السلام في ربوع العالم". 

تعليقات