ثقافة

"رغوة سوداء" المرشحة للبوكر.. تناول فني لمفاهيم الوطن والهوية والغربة

الأربعاء 2019.1.9 10:33 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 324قراءة
  • 0 تعليق
الروائي الإريتري حجي جابر

الروائي الإريتري حجي جابر

أعادت رواية "رغوة سوداء" للكاتب الإريتري حجي جابر، بوصولها إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر"، تفكير البعض مرة أخرى في الأعمال الأدبية العربية التي تتناول المجتمع الإسرائيلي من الداخل، كما دعت لإعادة النظر في القضايا الاقتصادية والاجتماعية داخل المجتمع الإريتري، الذي ينتمي إليه الكاتب، وأثرها على توجهات الهوية داخل هذا المجتمع متعدد الثقافات واللغات.

في أولى فقرات الرواية نقرأ "كان يمكن لنهار السبت هذا أن يبدو عاديا جدا في أديس أبابا. تماما كأي يوم في ديسمبر؛ سماؤه قاتمة، وطقسه يميل إلى البرودة، وحاناته تستعد باكراً لاستقبال حشود لا تضيّع عطلة نهاية الأسبوع دون أن تريق تعبها كله على مصاب الراحة"، وفي المشهد الختامي للرواية نجد البطل محاطاً ببرد آخر، فنقرأ "في يوم بارد أواخر أكتوبر من العام ألفين وخمسة عشر، كان شاب إريتري يلوك يومه الرتيب وهو يسير بنصف اطمئنان في أحد شوارع بئر السبع. لا أعرف بالضبط فيما كان يفكر حينها، لكن لو أردت أن أتقمص حالته كإريتري، فسأقول إنه كان يحلم أحلاما كبيرة. كان مثلا يتمنى أن يجد وجباته الثلاث على نحو عادي".

وبين بداية الرواية وختامها، يناقش الكاتب إشكاليات مفاهيم الوطن والهوية والغربة، من خلال من خلال عرض حالتين للبرودة ذات المدلول النفسي، والتي يتعرض لهما الإنسان الإريتري، الأولى في بداية الرواية داخل وطنه، في ظل ظروف حياتية طاحنة، والأخرى في نهايتها داخل إسرائيل دون هوية، أو حد أدنى من الكرامة. 

وترصد الرواية واقعا آنيا، يبدأ من رحيل البطل في المشهد الذي يقوم فيه الحاخام بدعوة الإريتريين إلى اليهودية، ومن ثم إلى إسرائيل، والتي كانوا يتصورونها مدينة فاضلة، قبل الذهاب إليها، فتناولت قضايا حساسة للغاية، كقضايا اللون، وأوضاع يهود "الفلاشا" داخل إسرائيل، بتناول فني رهيف للغاية.

ورغم أن الرواية ترصد الرحلة إلى المجتمع الإسرائيلي، فإنها تصف دروب فلسطين، وتحرص من خلال السرد على رسم الأماكن وتفاصيلها، بشكل يجعل القارئ وكأنه يسير في دروبها، ويرى بنفسه ملامحها رأي عين، من خلال الإعلاء من تقنيات الوصف، لكنه لم يكن وصفاً مملاً ساكنا، وإنما كان مليئاً بالحوار بين الشخوص وبعضهم البعض، وبين الشخوص والأماكن عبر الانتقال بكاميرا الرواية بين أكثر من زاوية لرصد المشهد.


وجاء تقسيم الرواية إلى فصول قصيرة كعامل مساعد لجذب القارئ إلى عالمها وتفاصيلها المشوقة، وأحداثها المتلاحقة المتسارعة، وفي المقابل كانت هناك بعض التوقفات بالوصف، والانتباه للتفاصيل، كرصد افتتان البطل وصاحبه بالمسجد الأقصى أو كنيسة القيامة على سبيل المثال، ولعل هذا الإيقاع السردي المرن، المتنوع بين التباطؤ واللقطات السريعة، هو الذي مكّن الكاتب من الانتقال بخفة بين زمانين، وبين أكثر من مكان، والاستفادة من توظيف طاقتي الزمان والمكان فنياً، بكل حمولاتهما الجمالية المستندة إلى قيمة معرفية راسخة إلى حد كبير.

وكان من نقاط القوة في الرواية انطلاقها من أزمات المجتمع الإريتري ذاته، سواء على مستوى التعليم، أو على مستوى الممارسات الحياتية، منذ تعرض البلاد للاحتلال من الإيطاليين الذين رأوا أن تعلم الإريتريين يعود بالنفع على إثيوبيا، لأن أغلب من يتعلمون ينزحون إليها، كما أن التعليم كان يثير فيهم نزعة الاستقلال، كنتيجة طبيعية لرفع مستوى الوعي، فكانوا يسمحون بقدر طفيف للغاية من التعليم، لدرجة أن المواطن الإريتري في منتصف الأربعينيات على سبيل المثال، كان يصرف الأفعال بهذا الشكل (أنا ذهاب، أنت ذهاب، هو ذهاب إلخ)، على حسب مقال في مجلة (الكاتب المصري) نشر في الأربعينيات، أي أن مطالعة هذا العمل على خلفية قراءة تاريخ الشعب الإريتري، ستنتج بالطبع قراءة أكثر نضجا، والعمل في مجمله استحق بالفعل الوصول إلى القائمة الطويلة للترشح لهذه الجائزة المهمة في الرواية العربية. 

 حجي جابر، روائي وصحفي إريتري، من مواليد مدينة مصوع الساحلية عام 1976، عمل لسنوات في الصحافة السعودية، وعمل مراسلاً للتلفزيون الألماني دويتشه فيله DW.

وأصدر حجي جابر رواية "سمراويت" عام 2012، عن المركز الثقافي العربي، وحازت جائزة الشارقة للإبداع العربي لنفس العام، ثم أصدر العام التالي عن المركز الثقافي العربي أيضاً رواية "مرسى فاطمة".

تعليقات