سياسة

ثوَّار.. ولكن خونة!

الأربعاء 2018.4.11 10:52 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 491قراءة
  • 0 تعليق
د. نصر محمد عارف

من أكبر مصائب عصرنا ميوعة اللغة وسيولتها، بحيث لم تعد الألفاظ توضع بإزاء معانيها، فقد أصبحت لغة الخطاب الثقافي العام لغةً دعائية تسمي الأشياء بغير أسمائها، حفاظا على المصالح والعلاقات، ورغبة في عدم التصادم مع مَن بيدهم بعض السلطة أو القوة أو النفوذ.

هذه الظاهرة أدت إلى اختلاط المعاني وتداخلها، وارتباكها، بحيث أصبح المفهوم الواحد يجمع النقيضين معاً؛ دون أن يشعر المجتمع ومثقفوه وقادته بأن هناك خللاً في المعنى والمضمون، أي أن اللغة فقدت جزءاً أصيلاً من دورها؛ فلم تعد الألفاظ أواني للمعاني، بل أصبح اللفظ الواحد يجمع معنيين متناقضين؛ أحدهما ظاهر والآخر خفي، ولكنه واضح وجلي.

ماذا نسمي قيادات جماعة الإخوان التي استمدت وجودها من مقاومة الاستعمار الإنجليزي والاستعمار الإسرائيلي، حين يستنجدون بالكونجرس والبيت الأبيض للتدخل في مصر لإرجاعهم إلى كراسي الحكم، ويلتقطون الصور وينشرونها من داخل الكونجرس الأمريكي.. ماذا نسمي هؤلاء؟

وأوكد هنا أنني أتناول هذا الموضوع دون تعريض بأشخاص أو هيئات، ولكن من خلال إبراز ظواهر يشهدها العالم العربي منذ السقوط الثاني لبغداد في 2003، حيث تداخل هذان المفهومان معاً وصارا مفهوماً واحداً، الثوار هم في ذاتهم خونة، يناضلون بكل قوة لتحرير الأفراد من الاستبداد السياسي، ويدعون إلى الحرية الفردية، ويناضلون من أجل الديمقراطية، وفي الوقت نفسه يعملون لصالح قوى خارجية تستولي على أوطانهم، وتستعبد مجتمعاتهم، وتعبث بأقدارها، وتدمر تاريخها، وتربك مستقبلها، يفعلون هذا دون حياء أو خجل، يفعلونه في العلن وليس في الخفاء، هم أحرار عند الحديث عن نظام الحكم، وخونة على مستوى سيادة الدولة واستقلالية المجتمع.

في عام 2004 كتبتُ بحثاً مطولاً بعنوان "الأبعاد الدولية للاستبداد السياسي في النظم العربية: جدلية الداخلي والخارجي"، نُشر في كتاب "الاستبداد في نظم الحكم العربية المعاصرة" الذي حرره الدكتور علي خليفة الكواري، وصدر عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، تناول هذا البحث دور الاستبداد الداخلي في استدعاء الاستعباد الخارجي، وخلص إلى أن نماذج الاستبداد الشرس مثل حالة العراق في عهد صدام، وليبيا في عهد القذافي؛ هي من الحالات التي تفقد الإنسان كل قيم الانتماء الوطني، وتدفعه للتحالف مع الشيطان للتخلص من مثل هذه النظم المستبدة، ومن ثم تدفعه لاستدعاء الاستعباد للتخلص من الاستبداد.

ولكن لم يخطر على بالي في ذلك الوقت أن هذا النموذج سوف يتم تعميمه على معظم الجمهوريات العربية بما فيها مصر، أقدم دولة على ظهر الأرض، وأكثر شعب يتغنى ويغني بالوطنية ولها، لم أكن أتصور، لقصور في التوقع والخيال، أن يسير بعض المصريين وبعض السوريين وبعض اليمنيين.. إلخ على خطى بعض النخبة العراقية البائسة التي جاءت مع المحتل الأمريكي، ثم استدعت المحتل الفارسي، وتدافع عن الاثنين بكل جرأة وصفاقة.

الثوّار الخونة أصبح وصفاً يرقى لأن يكون علميا إذا ما تتبعنا سلوك هذا الفصيل من النخب السياسية والثقافية في العالم العربي، أولئك الذين يعارضون بكل قوة حكومات أوطانهم، ويرفعون راية الحرية والعدالة وحقوق الإنسان، ويقاومون الظلم والاستبداد والعسف السلطوي، ولكنهم في الوقت نفسه يستجدون القوى الخارجية، والدول الأجنبية لأن تساعدهم، وتمد يد العون لهم، وتحتل أوطانهم لتخلصهم من ظلم السلطة، ومن عسف الاستبداد، وتقدم لهم الحرية على مائدة جون بريمر الحاكم الأمريكي للعراق بعد الاحتلال أو التحرير!

الثوار الخونة أصبحوا جزءا أصيلا من المشهد الثقافي والسياسي العربي، ولم تعد هناك حساسية منهم، بل يتم التعامل معهم على أنهم ناشطون سياسيون، أو قيادات للمعارضة السياسية، أو ثوار، أو نخب حاكمة، في كل الحالات هم ملء السمع والبصر، وفي كل الحالات لا يشكك أحد في شرعية وجودهم، ولا يجرؤ أحد على أن يعارضهم.

ولننزل إلى أرض الواقع، ونقدم أمثلة عملية مما نشاهده كل يوم على شاشات الفضائيات، ولنتساءل: ماذا نسمي قيادات جماعة الإخوان التي استمدت وجودها من مقاومة الاستعمار الإنجليزي والاستعمار الإسرائيلي، حين يستنجدون بالكونجرس والبيت الأبيض للتدخل في مصر لإرجاعهم إلى كراسي الحكم، ويلتقطون الصور وينشرونها من داخل الكونجرس الأمريكي.. ماذا نسمي هؤلاء؟

وماذا نسمي قيادات المعارضة السورية الذين يطوفون العواصم، يستجدون التدخل الخارجي لتخليصهم من طاغية عصره، وهم يرتدون أفخم الملابس، ويقيمون في أفخم الفنادق، ويقتاتون على دماء نصف مليون قتيل وملايين المشردين.. ماذا نسمي هؤلاء؟

وماذا نطلق على صبيان الحوثي الذين يريدون تسليم اليمن للإمبراطورية الفارسية لتطوق جزيرة العرب، وتسيطر على بحار العرب، وتتحكم في أمن قلب العالم العربي.. وهم يفخرون كل الفخر بتبعيتهم لأسيادهم.. ماذا نسمي هؤلاء؟

ومَن يستطيع أن يجد لفظاً مناسباً لمَن سلم وطنه للأمريكان تارة ثم للفرس تارة أخرى.. ويفخر بأن الحرس الثوري الذي تمظهر في صورة الحشد الشعبي جاء ليخلصه من عصابات داعش، الذي أسهم في صناعته الحرس الثوري نفسه.. حالة من الاستعباد السياسي والاستعباد النفسي الذي يقود إلى الاستسلام المطلق للجار العدو الصديق السيد.. ماذا نسمي هؤلاء؟

حالة عجيبة نعيشها؛ تجتمع فيها المتناقضات، وتلتقي المتعارضات، ويتحقق فيها ما كان من المستحيل تصوره عقلا، حين يصبح الثوار في الداخل خونة في الخارج، حين يتحول من يريد أن يحرر المواطن، يعمل في الوقت نفسه على استعباد الوطن واستعماره، منطق عجيب.. كيف يمكن تحرير المواطن حين يكون الوطن مستعبداً؟

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات