الحرب في السودان على وشك أن تختم عامها الثالث، وقد تراجعت الأسئلة التقليدية حول مسؤولية بدء الحرب لتفسح المجال لتساؤلات أكثر رعباً حول حدود نهايتها: إلى أي مدى يمكن لآلة الحرب أن تُوغِل في تمزيق ما تبقّى من السودان وشعبه؟
إن الاتهامات المتواترة، التي تصل حدّ اليقين، باستخدام الجيش أسلحةً كيميائية في الحرب، لا يمكن اختزالها في ضجيج البروباغندا المصاحبة للنزاعات، لا سيما في ظل اتهام وزارة الخارجية الأمريكية الصريح، الذي طالبت فيه الجيش السوداني بالاعتراف باستخدام هذه الأسلحة؛ وهو اتهام يضع المسألة في خانة المساءلة الدولية لا الجدل الإعلامي.
وما يمنح هذه الاتهامات ثقلاً وجودياً ليس فقط صدورها عن فاعلين دوليين بحجم الولايات المتحدة الأمريكية، بل أيضاً تعزيزها بتقارير استقصائية صحفية رصينة وعالية الوثوقية، لا تزال تتواتر، وتتناول الوقائع من زوايا متعددة، رابطـةً بين الشهادات الميدانية وأنماط الاستخدام المحظور في مناطق النزاع.
وفي مقابل هذا التدفق المعلوماتي، يبرز صمت رسمي مريب من الجيش وسلطة الأمر الواقع التابعة له في بورتسودان، مع رفضٍ تام لأي آلية تفتيش دولية.
هذا التمنّع لا يُفسَّر سيادياً، بل يُقرأ جنائياً؛ فالدولة التي تلتزم باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية لا تخشى شفافية التفتيش إلا إذا كان لديها ما تواريه تحت أنقاض الجبهات.
إن الجيش السوداني، الذي طالما تشدّق بتعريف نفسه بـ "حامي الدولة"، يجد نفسه اليوم أمام معضلة بنيوية. فالتاريخ العسكري يخبرنا أن الجيوش، في ظل الأنظمة الاستبدادية، حين تعجز عن تحقيق "الحسم النظيف" في حروب المدن، تلجأ إلى أدوات الردع المحرّمة.
وفي هذه الحالات، لا يُستخدم السلاح الكيميائي كأداة تكتيكية لتغيير موازين القوى في الميدان، بل كأداة للكسر النفسي وإعادة صياغة المجال المدني بالرعب الخالص؛ ليتحوّل إلى سلاح سيطرة لا معركة، سلاحٍ يستهدف إبادة إرادة السكان قبل أجسادهم.
لكن الفعل الجرمي ليس الخطر الوحيد؛ فالأخطر هو السيولة الدولية التي تستبطن القبول به.
إن غياب التحرك الدولي الحازم لتفعيل آليات التفتيش الأممية، وتردّد القوى الكبرى في تسمية الجاني، يبعث برسالة خطيرة مفادها أن الإفلات من العقاب بات متاحاً في جغرافيا النزاعات المنسية.
هذا الصمت يحوّل الجريمة من فعلٍ معزول إلى سابقةٍ تغري أنظمةً أخرى بمحاكاة السلوك ذاته، ما يهدد بتقويض منظومة الردع الدولية برمتها، من الخرطوم إلى كل عاصمة تراقب وتتحيّن الفرصة لكسر المحرّمات.
وفي منطقة ينهشها الجوع المتعمَّد، ويستوطنها النزوح القسري، يأتي الكيماوي ليكون "التتويج الأسود" لمسارٍ طويل من نزع الإنسانية عن "الآخر" المحلي.
إن ما نراه اليوم ليس مجرد جريمة عادية، بل جريمةُ نظامٍ يتخفّى خلف عباءة الشرعية المتآكلة.
إن أي تراخٍ دولي في مواجهة هذا التوحش لا يمثّل حياداً سياسياً، بل تواطؤاً أخلاقياً يمنح القاتل الضوء الأخضر لفتح أبواب الجحيم على مصراعيها، تحت مسمع وبصر عالمٍ يبدو أنه قرر المقايضة بكرامة الإنسان السوداني مقابل صمتٍ مريب.
تحرّك أيها العالم الحر.. تحرّك الآن قبل ألّا يكون هناك آن.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة