أقصى اليمين الفرنسي والطريق إلى الإليزيه.. عقبات قضائية تعترض المسار
لا يزال أقصى اليمين الفرنسي يعاني من مشكلاته القانونية في ظل سلسلة من التحقيقات المتزايدة ضد حزب التجمع الوطني.
فمع اختتام قضية اختلاس طويلة الأمد ضد زعيمته مارين لوبان، كان حزب التجمع الوطني الذي يمثل أقصى اليمين الفرنسي يأمل في تجاوز مشكلاته القانونية خلال الأيام المقبلة، حتى يتمكن من التركيز أخيرًا على سباق الإليزيه 2027.
لكن مداهمات الشرطة يوم الثلاثاء الماضي تعني أن المشكلات القانونية التي يواجهها الحزب ستستمر على الأرجح، حتى لو برز رئيس الحزب غوردان بارديلا، خاصة وأنه يواجه الآن اتهامات بالاحتيال مماثلة للاتهامات التي تهدد بتقويض طموحات لوبان الرئاسية، وفقا لما ذكرته مجلة "بوليتيكو" الأمريكية.
وأوضحت "بوليتيكو" أن المداهمات الأخيرة مرتبطة بتحقيق أجراه مكتب المدعي العام الأوروبي حول ما إذا كانت جماعة "الهوية والديمقراطية" المنحلة قد أساءت استخدام أموال دافعي الضرائب عندما كان بارديلا نائبًا لها.
وكانت "بوليتيكو" قد أفادت العام الماضي أن الجماعة خالفت قواعد الإنفاق بما لا يقل عن 4.3 مليون يورو، وفقًا لتدقيق سري.
من الناحية الانتخابية، قد يكون تأثير هذه المداهمات محدودًا، فلا يزال حزب التجمع الوطني يحظى بشعبية كبيرة في استطلاعات الرأي، وقد اعتاد الفرنسيون على فضائح الاحتيال التي تحيط بالرؤساء أو المرشحين للرئاسة، بدءًا من الرئيس جاك شيراك والرئيس نيكولا ساركوزي وصولًا إلى رئيس الوزراء السابق فرانسوا بايرو.
وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن بارديلا سيصل بسهولة إلى جولة الإعادة الرئاسية، وقد يفوز أو يخسر بفارق ضئيل.
ووفقًا لماثيو غالارد، خبير استطلاعات الرأي في مؤسسة "إيبسوس"، فإن التحقيقات لن تؤثر على قاعدة دعم حزب التجمع الوطني.
قضايا شائكة
وقال "لا يعني هذا أن الناخبين لا يعتقدون أن حزب التجمع الوطني مذنب، بل إنهم يعتقدون أن جميع الأحزاب مذنبة.. إنهم يصوتون لحزب التجمع الوطني بسبب مواقفه من الهجرة والهوية والأمن".
ومع ذلك، من المرجح أن تصبح هذه التحقيقات مشكلة طويلة الأمد للحزب، وأن تثير تساؤلات جدية حول أساليب عمله وكفاءته المهنية في حقبة كان مسؤولو الحزب يسعون فيها لتلميع صورة أقصى اليمين وتوسيع قاعدته الانتخابية.
ويوم الأربعاء، قاد بارديلا هجومًا مضادًا على المدعين العامين الأوروبيين، واتهمهم بالتصرف بدوافع سياسية، قائلا: "ليس لدينا ما نخجل منه، وسنثبت ذلك".
وسارع مسؤولو الحزب إلى الالتفاف حوله، فقال النائب عن حزب التجمع الوطني، سيباستيان شينو: "نحن حزب يتعرض للمضايقة من قبل البرلمان الأوروبي.. من الواضح أن هناك رغبة سياسية في إيذائنا".
وفي مقابلة تلفزيونية الأربعاء، أكدت لوبان أنها لا تعتقد أن التحقيق له ما يبرره، وتساءلت عن سبب تنفيذ المداهمات قبل أسبوع من موعد صدور حكمها وقالت "بالنسبة لي، هذا ليس من قبيل الصدفة.. لم أعد أؤمن بالصدف في مثل هذه الأمور".
وبالإضافة إلى الادعاءات المتعلقة بحزب الهوية والديمقراطية، يواجه بارديلا تدقيقًا على عدة جبهات حيث تواجه كتلة "الوطنيون" التي يتزعمها في البرلمان الأوروبي اتهامات بإساءة استخدام 276,967 يورو من أموال الاتحاد الأوروبي خلال النصف الثاني من عام 2024، وذلك وفقًا لتقرير سري اطلعت عليه "بوليتيكو".
وفي مايو/أيار، بدأ المدعون العامون الأوروبيون تحقيقًا في مزاعم اختلاس أموال من الاتحاد الأوروبي مرتبطة بدورات تدريبية إعلامية لبارديلا قبل الانتخابات الرئاسية لعام 2022، والتي خسرتها لوبان أمام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
ووفقًا لصحيفة "لو كانار أنشينيه" الفرنسية، فمن المتوقع أن تفتح السلطات الفرنسية تحقيقًا في الأيام المقبلة بشأن وثائق مزورة يُعتقد أن بارديلا قدمها كإثبات لعمله في البرلمان الأوروبي عام 2015.
ومع ذلك، كان خصوم بارديلا حذرين في استغلال هذه التحقيقات ضد حزب التجمع الوطني، حيث يواجه العديد منهم تدقيقًا قانونيًا مثل المرشح الرئاسي الوسطي الحالي ورئيس الوزراء السابق إدوار فيليب الذي يخضع للتحقيق بتهم اختلاس.
كما خضع مرشح رئاسي آخر، وهو جان لوك ميلانشون، من أقصى اليسار للتحقيق أيضاً بتهمة إساءة استخدام أموال البرلمان الأوروبي، لكن القضية أُسقطت مؤخراً.
ويصر التجمع الوطني على خطته طويلة الأمد المتمثلة في مهاجمة المدعين العامين واتهامهم بالدوافع السياسية، بدلاً من مناقشة جوهر مزاعم الاحتيال. وقال مسؤول حزبي رفيع: "لطالما أخبرتنا مارين لوبان أن المعركة القضائية جزء من المعركة السياسية".
لكن بارديلا حرص على بناء صورة ناصعة البياض خالية من الأعباء التي لطالما التصقت بأقصى اليمين الفرنسي وقد تتأثر هذه الصورة سلبًا إذا تورط في قضية قانونية تتعلق بمخالفات مالية.
وقال خبير استطلاعات الرأي غايارد: "إذا طالته التحقيقات وأصبحت محورًا رئيسيًا في الانتخابات الرئاسية، فقد يعرقل ذلك توسع قاعدة ناخبي التجمع الوطني". وأضاف: "الناخبون المحافظون التقليديون، الذين ينجذبون إلى التجمع الوطني، يتمسكون بقيم النزاهة والاحترام، وقد ينفرون منه".
وعلى مدى أشهر، كافح التجمع الوطني لتجاوز قضية إدانة لوبان واستئنافها في النقاش السياسي وكان الحزب يأمل أن يسمح له حكم الأسبوع المقبل أخيرًا بالتركيز في حملته الانتخابية على قضايا مثل الهجرة والأمن وتكاليف المعيشة.
وبدلًا من ذلك، قد يجد بارديلا نفسه مضطرًا للإجابة عن العديد من الأسئلة نفسها المتعلقة بالاحتيال والمال العام التي لاحقت معلمته لسنوات.