سياسة

قطر ظالمة أم مظلومة؟ (5)

الخميس 2018.10.4 07:58 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 1205قراءة
  • 0 تعليق
عماد الدين أديب

حينما سأل وزير خارجية عربي كبير جورج تينيت، رئيس جهاز المخابرات المركزية الأمريكية، وأحد أهم رؤساء هذا الجهاز فهماً لشئون منطقة الشرق الأوسط: «لماذا تسكتون على الدور القطري في المنطقة؟ لماذا تقبلون بشبكة العلاقات التي تقيمها الدوحة مع أعتى جماعات الإرهاب الديني؟ لماذا توافقون على هذا الدور الذي يسبب الفوضى لكثير من حلفائكم؟».

ماذا ستفعل قطر من الآن حتى يناير المقبل، أي تاريخ قمة دول التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة؟ المؤكد أنها سوف تعتمد في كل ما ستفعل على تلك الشبكة الثلاثية التي تعتقد «وهماً» أنها تحميها حتى من أقرب الناس وبديلة لأشقائها وحلفائها
ساعتها ابتسم «تينيت» وقهقه بصوت عالٍ مثلما كان يفعل أجداده ذوو الأصول اليونانية، وقال: «قطر تلعب داخل الدائرة المرسومة لها منذ أن تولى الأمير حمد الحكم، هي تفعل لنا ما لا نستطيع أن نفعله مباشرة».

وعاد الرجل وقال لمحدثه العربي: «قطر تقدم لنا خدمات جليلة لا أحد منكم يجرؤ في المنطقة على فعلها لأنها تتجاوز كل الخطوط الحمراء».

كان هذا الحوار عام 2002 عقب أحداث 11 سبتمبر 2001 بعام واحد، وهذه تعتبر شهادة مهمة من أحد أطول رؤساء جهاز المخابرات الأمريكية إدارة للجهاز في عهد رئيسين هما «كلينتون وبوش».

منذ أحداث سبتمبر والدور القطري في صعود وتشعب في العالم العربي والشرق الأوسط، وجنوب شرق آسيا وأفريقيا حتى وصل لأمريكا اللاتينية.

أي مؤتمر تريد واشنطن عقده، ولكن لا تريد أن يكون على أراضيها أو لا توجد لديها ميزانية لتمويله تقوم قطر بذلك.

أي مركز أبحاث أمريكي في واشنطن بحاجة إلى دعم أو تمويل تنشئ الدوحة فرعاً له في قطر.

أي رهينة أمريكية في بلد أفريقي أو أي بقعة في العالم مطلوب أن يتم دفع فدية مالية للإفراج عنها تقوم «لجنة الوساطة القطرية» بالدفع، لأن القانون الأمريكي يحرم ويجرم التفاوض أو الدفع للخاطفين.

أي قناة اتصال لا تستطيع واشنطن أن تقوم بها مباشرة بسبب محاذير داخلية، يتم تفويض قطر بها مثل وجود مكاتب للشيشان وطالبان وحماس في الدوحة.

أي منظمة إرهاب تكفيرية تريد واشنطن فتح خطوط اتصال معها تقوم الدوحة بتحقيق مثل هذه الاتصالات، لذلك نجد خطوط اتصالات قطر مع الحرس الثوري الإيراني، وطالبان، والحشد الشعبي العراقي، والمعارضة الشيعية في البحرين، وحركة «بوكو حرام» في نيجيريا، وحركات الشباب في الصومال ومالي، والكتيبة الليبية المقاتلة في ليبيا، وكل فروع جماعة الإخوان المسلمين في العالم، و«كتائب الأقصى»، وسرايا القدس في سيناء، ذلك كله يضاف إلى العلاقة التاريخية مع تنظيم القاعدة في أفغانستان، وجبهة النصرة في سوريا.

وليس سراً أن كل التاريخ المرئي تلفزيونياً لتنظيم القاعدة وجبهة «النصرة» موجود بالأساس وبالدرجة الأولى من خلال شبكة قنوات «الجزيرة».

هذا كله يوضح أن قطر حينما تتعامل مع من يخالفها تتعامل من منطق «الاستقواء» بطبيعة العلاقة الاستراتيجية المميزة والدور المتفرد الذي لا غنى عنه لدى واشنطن ولندن وتل أبيب وأجهزتهم الأمنية.

من هنا تتعامل الدوحة من منظور أن لديها شبكة حماية ثلاثية الأبعاد، الأولى على أراضيها من خلال قاعدة «العديد» والثانية من خلال اتفاقاتها الإقليمية الأمنية مع تركيا وإيران وإسرائيل، وتلك شبكة يندر أن تجتمع تحت سقف نظام واحد، ثم الغطاء الأخير يأتي من خلال ذلك الدور الدولي الذي تلعبه بالتنسيق مع أجهزة الأمن والاستخبارات الدولية أو أحياناً بالنيابة عنها.

هذا كله أيضاً سوف يبرر لنا الإجابة عن السؤال الكبير: ماذا ستفعل قطر من الآن حتى يناير المقبل؟ أي تاريخ قمة دول التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، المؤكد أنها سوف تعتمد في كل ما ستفعل على تلك الشبكة الثلاثية التي تعتقد «وهماً» أنها تحميها حتى من أقرب الناس وبديلة لأشقائها وحلفائها.

ماذا يحدث حتى يناير المقبل؟ هل ستستمر الحال على حاله أم سوف تزيد الدوحة من نبرة العداء والاستعداء؟ من الواضح أن محور السياسة الخارجية القطرية في ملف الصراع الدائر مع دول التحالف يعتمد على العناصر والأدوات التالية:

1- تفعيل دور شركات العلاقات العامة والدعاية والتسويق السياسي في أوروبا والولايات المتحدة ضد دول التحالف العربي وتشويه صورة سياستهم الداخلية وعلاقاتهم الدولية.

2- استنفار دور أكثر من 88 وسيلة إعلامية مكتوبة ومسموعة ومشاهدة، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي تابعة لدولة قطر بتمويل جزئي أو كلي لانتقاد الأوضاع الداخلية لدول التحالف العربي، وانتقاد زعماء تلك الدول بشكل قاسٍ وجارح.

3- التركيز على اختلاق موضوعات خلاف موضوعي أو شخصي بين المحمدين (محمد بن سلمان ومحمد بن زايد) لأن الدوحة تؤمن بأن جوهر المشكلة في مجلس التعاون الخليجي هو تفاهم الرجلين، وأنه لا بد، تحت أي ظرف وبأي ثمن، نسف هذه العلاقة وإفساد هذا التفاهم.

4- محاولة الدس بين القاهرة من ناحية والرياض وأبوظبي من ناحية أخرى، وتسويق الادعاء بأن هناك خلافاً عميقاً بين هذا المثلث لأن دعم الرياض وأبوظبي محدود ومتأخر.

5- التركيز على أن هناك خلافاً عميقاً في الرؤي والتوجهات بين القاهرة من ناحية وأبوظبي والرياض من ناحية أخري حول مواجهة الخطر الإيراني في اليمن وسوريا.

وفي هذا المجال استطاعت الدبلوماسية الفعالة بين العواصم الثلاث في اجتماعات نيويورك الأخيرة إحداث حالة من «التفاهم والانسجام الشديدين» حول ملفي اليمن وسوريا بشكل ناجح.

6- التركيز على أن الرياض تتخبط في سياستها، انظروا موقفها مع كندا ومع ألمانيا ومع واشنطن مؤخراً، وأيضاً استطاع وزير الخارجية السعودي عادل الجبير ترميم هذه العلاقة على أسس سليمة، على هامش اجتماعات نيويورك.

7- التركيز على فشل السياسات الداخلية للإصلاح في السعودية: «انظروا ضريبة القيمة المضافة، تكاليف إعمار مشروع نيوم، تأخر طرح مشروع أرامكو، غلاء المعيشة.. إلخ»، وكل هذه الدعايات السوداء التي تتجاهل انخفاض عجز الموازنة السعودية 60 ملياراً عن العام الماضي.

8- التركيز على أن نظامي الحكم في الرياض وأبوظبي لديهما تحديات داخلية، ومحاولة تشويه صورتهما لدي جمعيات حقوق الإنسان الدولية التي تمولها قطر، وبيع وتسويق فكرة أن حكم المحمدين في الرياض وأبوظبي، والحكم في مصر ضد حقوق الإنسان ومضاد للحريات، وكأن الدوحة وحدها هي واحة الديمقراطية وكعبة الحريات في العالم الحر.

9- اللعب على وتر اختلاف مشروعي الرياض وأبوظبي حول مستقبل الدولة في اليمن بمعني دولة واحدة أم دولتين في الشمال والجنوب.

10- تسخين الوضع الطائفي في البحرين والتعاون مع الزعامات الدينية المذهبية، وتشجيع المشروع الإيراني في البحرين.

11- الاستمرار في احتضان قيادات تيار الإسلام السياسي من الإخوان إلى القاعدة، ومن الشيشان إلى طالبان، وفي ليبيا من مجلس شوري بني غازي إلى القاعدة وجماعة الإخوان إلى تنظيم داعش الليبي.

12- الاستمرار في الدعم السخي لمراكز البحث الأمريكية والأوروبية، وجمعيات المجتمع المدني الدولية وتأليبها ضد القاهرة والرياض وأبوظبي، بحيث يتم تصويرها على «أنها أنظمة استبدادية» يجب عقابها ومقاطعتها، وكما قال أنور قرقاش وزير الدولة للشئون الخارجية الإماراتي، إن مكان قطر الطبيعي هو وسط أشقائها في الخليج وليس مع تركيا وإيران.

13- التركيز المطلق والأكبر على اجتماع قمة يناير بين دول التحالف العربي مع الولايات المتحدة ومحاولة فعل أي شيء وبأي ثمن لتوسيع مشاركة بعض الدول وعلي رأسها «تركيا»! باختصار سوف نخلق لكم صداعاً مستمراً في كل مكان وبأي ثمن حتى توافقوا على دورنا كما هو دون تنازل منا!

السؤال: هل هذا معقول؟
هل هذا مقبول؟
الأيام كاشفة

نقلا عن "الوطن المصرية"

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات