الفساد سيلتهم أي اتفاق.. النظام يتاجر بمعاناة شعب إيران
اعتبر تحليل نشرته مجلة «فورين بوليسي» إن أكبر الخاسرين في الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط هم شعب إيران الذين سيتم نسيانهم.
وقال التحليل إن الحرب أضعفت قدرة إيران على العمل بشكل أكبر، حيث دمرت الولايات المتحدة وإسرائيل بنية تحتية حيوية ضرورية لاستمرار حياة عشرات الملايين من الإيرانيين.
وقد فاقمت الحرب جميع الأزمات الوطنية التي كان الإيرانيون يواجهونها قبل الحرب، من نقص المياه والغذاء إلى انقطاعات الكهرباء. كما أدت إلى زيادة نقص الأدوية، واضطرابات الوقود، والعزلة الدولية، والصدمات النفسية، والقمع الأكثر تكرارًا من أي وقت مضى.
والآن، بعد أن هدأت أصوات البنادق، فإن الحديث عن إمكانية إنشاء صندوق بقيمة 300 مليار دولار، سيمكن للنظام المعروف بفساده الشديد -والذي أصبح الآن أكثر خضوعًا لهيمنة الحرس الثوري- أن يستخدمه لصالحه دون الإيرانيين.
ومن دون شروط صارمة وشفافية وآليات تنفيذ، فإن تخفيف العقوبات وإعفاءات إعادة الإعمار لن تصل إلى الإيرانيين العاديين.
ومن المرجح أن تنتقل الأموال إلى المقاولين المرتبطين بالحرس الثوري، والمؤسسات التابعة للنظام، والوزارات، والبنوك، والوسطاء الذين نشطوا خلال فترة العقوبات، وهم أنفسهم الذين دمروا البلاد في المقام الأول وخلقوا الظروف التي أدت إلى الحرب.
الأزمة البيئية
فعلى سبيل المثال، أدت الغارات الجوية الإسرائيلية على مستودعات النفط في طهران إلى إطلاق مزيج خطير من الملوثات، بما في ذلك الجسيمات الدقيقة، وثاني أكسيد الكبريت، والمركبات العضوية المتطايرة، والهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات، وغيرها من النواتج السامة للاحتراق.
وأفادت تحليلات الأقمار الصناعية بأن الحرائق أطلقت نحو 29800 طن من ثاني أكسيد الكبريت، وأن سحابة التلوث أثرت على مساحة تقارب حجم إيطاليا.
وهذه الملوثات لا تختفي ببساطة عندما ينقشع الدخان. فالجسيمات الدقيقة ومركبات الكبريت يمكن أن تنتقل لمسافات طويلة، بينما يمكن للسخام وبقايا الاحتراق السامة أن تترسب على التربة والمياه، وتلوث الأنظمة الزراعية، وتعود إلى جسم الإنسان عبر المطر والغبار والمحاصيل.
كما استهدفت الولايات المتحدة بنية تحتية مدنية حيوية بما في ذلك خزانات تخزين المياه التي تخدم 20 ألف إيراني عادي في محافظة هرمزغان.
وكل جزء من البنية التحتية المدمرة له آثار متسلسلة. فعلى سبيل المثال، يمكن لمصفاة متضررة أن تقلل الوقود المتاح لمضخات المياه، ونقل الغذاء، ومولدات المستشفيات، والآلات الزراعية، وفرق الطوارئ.
كما أن اضطرابات الكهرباء الناتجة عن تضرر منشآت الطاقة بسبب الحرب يمكن أن تعطل إيصال مياه الشرب، والتبريد، والاتصالات، والرعاية الطبية.
ويمكن للطرق والمستودعات وشبكات الخدمات اللوجستية التي تعرضت للقصف أن تؤخر وصول الغذاء والأدوية وقطع الغيار وأعمال الإصلاح.
أفق سياسي قاتم
واعتبر التحليل إنه إذا كان الإيرانيون يُقادون من قبل حكومة جديدة تضع مصالحهم في صميم اهتمامها، لكان هناك بعض الأمل في حدوث تغيير حقيقي. لكن رغم تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن «نظامًا جديدًا» قد ظهر في إيران بعد الحرب، فإن الواقع على الأرض قاتم.
ويبدو أن الرجال في النخبة الحاكمة "عنيفون وفاسدون، وغالبًا متعصبون". وقد يعقدون صفقات مع واشنطن من أجل بقائهم ومصلحتهم الخاصة، لكنهم يدركون أن أي تخفيف لقبضتهم على السلطة قد يؤدي إلى نهايتهم.
وشدد التحليل على أن أي أموال ستقدم لهؤلاء الرجال -حسب مزاعم تقارير أمريكية نفاها ترامب- لن تفيد الشعب الإيراني، بل ستؤدي بدلًا من ذلك إلى زيادة ثراء شبكة واسعة من مؤسسات النظام مثل خاتم الأنبياء، الذراع الرئيسية للهندسة والبناء والمقاولات التابعة للحرس الثوري الإيراني.
وقال إن هذه المؤسسات ساهمت في التدهور البيئي في إيران من خلال استخدام الموارد العامة لخلق الثروة الشخصية والنفوذ السياسي. فقد أصبحت السدود، وتحويل المياه بين الأحواض، والآبار العميقة، والصناعات كثيفة الاستهلاك للمياه في المناطق الجافة، مشاريع مربحة للمقاولين والمسؤولين المرتبطين بالنظام. وكانت النتيجة استنزاف طبقات المياه الجوفية، وتضرر الأنهار، وانكماش البحيرات والأراضي الرطبة، وهبوط التربة، وانهيار سبل العيش الريفية.
ومن اللافت أن مؤسسات النظام، مثل خاتم الأنبياء، استخدمت موارد البلاد لحفر الأنفاق والقاعات تحت الأرض الخاصة بالمنشآت النووية ومدن الصواريخ، في الوقت الذي كانت فيه تسهم في تدهور البيئة الإيرانية.
كما يُرجح أن تحقق مؤسسة خاتم الأنبياء والمؤسسات الوقفية التابعة للنظام، أو «البُنياد»، أرباحًا طائلة من العقود التي يمنحها النظام وربما حتى من جهات أجنبية نتيجة أي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران.
وستكون أولوية هذه المنظمات هي إثراء نفسها وإعادة بناء القدرات العسكرية للنظام، وليس إعادة بناء البنية التحتية المدنية لإيران. ولا يزال بإمكان إدارة ترامب مساعدة الشعب الإيراني من خلال فرض شروط حقيقية على تخفيف العقوبات والإعفاءات المرتبطة بإعادة الإعمار. ومن دون هذه الضمانات، ستتحول «المساعدة» إلى مصدر إيرادات آخر لبقاء النظام. وستخرج إيران من هذه الحرب أكثر عسكرة، وأكثر استعدادًا لاستخدام العنف ضد الشعب من أي وقت مضى.
وأشار التحليل إلى أنه لم تتسبب الحرب في الأزمة البيئية الإيرانية. لكنها أضعفت أكثر الأنظمة المدنية التي تُبقي المجتمع الإيراني على قيد الحياة: شبكات مياه الشرب، وشبكات الكهرباء، ومراكز توزيع الوقود، والمستشفيات، وسلاسل إمداد الغذاء.