سياسة

أسبوع الجزائر.. بوتفليقة يتراجع عن ولاية خامسة وحراك متجدد ضد"التمديد"

الجمعة 2019.3.15 04:50 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 277قراءة
  • 0 تعليق
بوتفليقة يتراجع عن الولاية الخامسة والحراك يتواصل ضد التمديد

بوتفليقة يتراجع عن الولاية الخامسة والحراك يتواصل ضد التمديد

مرّ الأسبوع الثاني في الجزائر من شهر مارس/آذار الجاري والثالث منذ بدء الأزمة السياسية مليئاً بالأحداث والتطورات المتسارعة كان فيها الرئيس الجزائري المنتهية ولايته عبدالعزيز بوتفليقة والحراك الشعبي أبرز أحداثها. 

الأسبوع بدأ بأضخم مظاهرات في تاريخ الجزائر، رافضة لترشح بوتفليقة لولاية خامسة، أسفرت عن جملة من القرارات عقب عودته من رحلة علاجية في جنيف، أبرزها تراجعه عن الترشح وتأجيل الانتخابات، وإعلانه عن مرحلة انتقالية بخارطة طريق وحكومة جديدة.

وهي قرارات سرعان ما اصطدمت برفض شعبي لما اعتبروه "تمديدًا" لبوتفليقة عبر "إجراءات غير دستورية".

لا ولاية خامسة

عقب تضارب الأنباء حول وضعه الصحي، عاد الرئيس الجزائري، الإثنين الماضي، إلى بلاده وسط اهتمام إعلامي دولي غير مسبوق بعد رحلة علاجية استغرقت 15 يوماً في جنيف.

وعلى الرغم من أنه أنهى حالة الترقب في الجزائر إزاء حقيقة وضعه الصحي، فإن عودته حبست أنفاس الجزائريين على ما قد يُعلنه بوتفليقة من "قرارات مهمة" ترتبط بالمسيرات السلمية الضخمة التي ملأت شوارع الجزائر الجمعة الماضية، احتجاجاً على ترشحه لولاية خامسة.

لم ينتظر بوتفليقة طويلاً، وسجل الثلاثاء أول ظهور له منذ عودته من جنيف، مستقبلاً قائد أركان الجيش، قايد صالح، ورئيس الوزراء أحمد أويحيى الذي قدم استقالته، إضافة إلى استقباله الوزير الأول الجديد (رئيس الوزراء) نور الدين بدوي ونائبه الأول، رمطان لعمامرة، والدبلوماسي المخضرم ووزير الخارجية الجزائري الأسبق الأخضر الإبراهيمي.


ظهور تبعه الإعلان عن سبعة قرارات في يوم واحد، كشف عنها بوتفليقة في رسالة إلى الجزائريين، أعلن خلالها تراجعه عن الترشح لولاية خامسة، مرجعاً ذلك إلى وضعه الصحي وتقدمه في السن. 

كما قرر تأجيل الانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة في 18 أبريل/نيسان المقبل، مبرراً ذلك "بتهدئة التخوفات المعبر عنها، قاصدا فسح المجال أمام شائعة الطمأنينة والسكينة والأمن العام"، وحلّ اللجنة المستقلة العليا لمراقبة الانتخابات وأقال أعضاءها.

وبعد إعلانه عن حكومة جديدة يقودها وزير داخليته نور الدين بدوي، أصدر بوتفليقة مرسوماً رئاسياً استحدث من خلاله منصب نائب الوزير الأول (رئيس الوزراء)، وكان الدبلوماسي المخضرم رمطان لعمامرة أول من يتولاه، إضافة إلى تكليفه بحقيبة الخارجية الجزائرية، في محاولة من السلطات "تبديد مخاوف شركاء الجزائر ما يحدث في البلاد، وتقديم تطمينات عن مستقبل المصالح المشتركة"، كما قال لعمامرة.

مرحلة انتقالية

أعلن الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة، الثلاثاء الماضي، عن دخول البلاد في مرحلة انتقالية وضع لها خارطة طريق، عقب الحراك الشعبي الرافض لترشحه لولاية خامسة، وهو ما ظهر في الأمواج البشرية الهائلة التي خرجت الجمعة الماضي للمرة الثالثة على التوالي.

اعترف بوتفليقة في رسالته أن "الجزائر تمر بمرحلة حساسة في تاريخها عقب جمعة ثالثة بعد سابقتيها، شهِدت البلاد مسيرات شعبية حاشدة"، ومنوهاً بطابعها السلمي، أعلن فيها نيته "تنفيذ إصلاحات عميقة في الـمجالات السياسية والمؤسساتية والاقتصادية والاجتماعية، بإشراك على أوسع ما يكون وأكثر تمثيلاً للـمجتمع الجزائري".

خارطة الطريق التي أعلن عنها بوتفليقة ترتكز على تنظيم ندوة وطنية "جامعة ومستقلة ستكون هيئة تتمتع بكل السلطات اللازمة لتدارس وإعداد واعتماد كل أنواع الإصلاحات التي ستشكل أساسا للنظام الجديد الذي سيتمخض عنه إطلاق مسار تحويل دولتنا الوطنية"، محدداً نهاية عهدتها مع نهاية العام الحالي.

كما تضمنت تعديلا دستوريا يُعرض على الاستفتاء الشعبي، وتنظيم الانتخابات الرئاسية عقب انتهاء الندوة من أعمالها.

وحل بوتفليقة اللجنة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات التي أقرها دستور فبراير/شباط 2016، وقرر في المقابل إنشاء لجنة جديدة ستكون من مخرجات الندوة الوطنية "استجابة لمطلب واسع عبرت عنه مختلف التشكيلات السياسية الجزائرية، وكذا للتوصيات التي طالما أبدتها البعثات الـملاحظة للانتخابات التابعة للمنظمات الدولية والإقليمية التي دعتها واستقبلتها الجزائر بمناسبة المواعيد الانتخابية الوطنية السابقة"، كما ذكر بوتفليقة في رسالته.

قرارات بوتفليقة السبع

ورطة دستورية أم ضرورات مرحلة حساسة؟

اصطدمت قرارات بوتفليقة الأخيرة المتعلقة بخارطة طريق المرحلة الانتقالية بإشكال "مدى تطابقها مع الدستور الجزائري" بحسب حقوقيين، أجمعوا على "عدم دستوريتها" وبأنها تعني "تجميد العمل بالدستور وتمديد لولاية بوتفليقة الرابعة سنتين على الأقل"، كما ذكر المحلل السياسي وخبير الشؤون القانونية الجزائري عامر رخيلة لـ"العين الإخبارية".

حتى أن فاروق قسنطيني، الرئيس السابق للجنة الاستشارية لحماية وترقية حقوق الإنسان المعروف بـ"ولائه ودعمه" لبوتفليقة منذ توليه الحكم قبل 20 سنة، انضم إلى ركب "المؤكدين على عدم شرعيتها دستورياً".

فاروق قسنطيني الرئيس السابق للجنة الاستشارية لحماية وترقية حقوق الإنسان

وفي الوقت الذي ذكر فيه المحلل السياسي الجزائري سليمان أعراج، لـ"العين الإخبارية" أن بوتفليقة "استند إلى المادة 107 من الدستور التي تكفل للقاضي الأول في البلاد حق اللجوء إلى تأجيل الاستحقاقات في الحالات الاستثنائية"، إلا أن قسنطيني اعتبر في حوار مع صحيفة "الخبر" الجزائرية بأن "تلك الظروف غير موجودة على أرض الواقع".

كما أعطى خبراء القانون الدستوري في الجزائر تفسيرات قانونية "لعدم مطابقة قرارات بوتفليقة للدستور الجزائري" الذي أشرف على تعديله في مناسبتين، وذلك عامي 2008 و2016.

ومن بين ما يعتبرونه "خرقاً للدستور"، "تعيين نائب لرئيس الوزراء في وقت يحدد الدستور الجزائري في فصل كامل تنظيم السلطة التنفيذية المتمثلة في الحكومة وأعضائها وطريقة تعيينها"، إضافة إلى حل الهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات، التي قال عنها عامر رخيلة لـ"العين الإخبارية" إنها "هيئة دستورية لا يمكن التصرف فيها بإلغائها أو تعديلها إلا بتعديل دستوري".

ومن بين القرارات التي أثارت جدلاً كبيراً في الجزائر مسألة "تمديد ولاية بوتفليقة الرابعة والحالية"، حيث يشير القانونيون إلى "عدم وجود مادة في الدستور تمدد ولاية رئيس البلاد".

حتى أن رئيس الوزراء الجزائري الجديد نور الدين بدوي "لم يتمكن" من الإجابة الخميس في مؤتمره الصحفي على سؤال متعلق بـ"السند القانوني المعتمد في التمديد".

الدستور الجزائري

غير أن مراقبين للوضع السياسي في الجزائر، يرون أن "المرحلة الحساسة التي تمر بها البلاد تستدعي قرارات استثنائية، تتماشى مع خطورة ارتدادات ما تعيشه في المرحلة الحالية على أمن وحتى وجود الدولة برمتها"، ما يستدعي بحسبهم "مواكبة المرحلة بحسابات تضمن وتصون مفهوم الدولة الوطنية".

كما أكد مراقبون في وقت سابق لـ"العين الإخبارية" أن مفهوم "الحالة الاستثنائية" الوارد في المادة 107 من الدستور الجزائري "موجود على أرض الواقع، خاصة بعد دخول البلاد في عصيان مدني وإضراب عام شل البلاد، وبأن تداعياته ستكون وخيمة على الجزائر".

واستدلوا في ذلك على "العصيان المدني الذي قادته الجبهة الإسلامية للإنقاذ الإخوانية سنوات التسعينيات التي تسببت في تسارع الأحداث ودخول البلاد في نفق مظلم، كان بمثابة الطريق للجبهة الإخوانية لتنفيذ أجندتها الإرهابية التي أحرقت البلاد والعباد" وفق مراقبين.

ردود فعل متباينة

أعقبت قرارات بوتفليقة الأخيرة ردود فعل سياسية وشعبية متباينة، بدأت بخروج مئات الجزائريين في شوارع العاصمة الجزائرية، ومدن أخرى "ترحيباً بقرار بوتفليقة التراجع عن الولاية الخامسة".

وسرعان ما خرج في اليوم التالي مئات الجزائريين "رفضاً للتمديد"، وانتقلت معها معالم الأزمة السياسية في الجزائر من "مناهضة الولاية الخامسة إلى رفض التمديد لبوتفليقة"، وحمل أساتذة وطلبة جامعيون لافتات كُتب عليها "لا تأجيل لا تمديد، ارحل يا السعيد" في إشارة إلى شقيق الرئيس الجزائري.جزائريون يحتفلون بقرار بوتفليقة عدم الترشح

وأطلق نشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي دعوات للتظاهر الجمعة للمرة الرابعة على التوالي لدعوة "بوتفليقة إلى ترك الحكم".

"بعض" المعارضة الجزائرية أيضا التي عقدت الأربعاء اجتماعها الخامس منذ بدء الحراك الشعبي، أعلنت رفضها هي الأخرى لما ورد في رسالة بوتفليقة التي وصفتها بـ"المزعومة"، معلنين سحب نوابهم من غرفتي البرلمان الجزائري، ودعمهم لمواصلة الحراك الشعبي رفضاً للتمديد.

جزائريون يتظاهرون ضد التمديد

كما شكك بيان المعارضة الجزائرية الذي حصلت "العين الإخبارية" على نسخة منه في "دستورية قرارات بوتفليقة"، واعتبرت أن مضمونها يسعى "بغير حق لاستمرار اللوبي في السلطة لمدد زمنية لا يعلمها إلا الله" على حد تعبيرها.

وعرف الاجتماع غياب شخصيات وأحزاب معارضة حضرت الاجتماع الرابع الأسبوع الماضي، وأرجع مراقبون أسباب ذلك إلى "الخلافات العميقة التي ظهرت في اجتماع الأسبوع الماضي، إضافة إلى عقد المعارضة اجتماعها الخامس بمقر حزب العدالة والتنمية الإخواني الذي يرأسه الإخواني عبدالله جاب الله".

وذكر مراقبون أن "الغائبين عن اجتماع الأربعاء يرفضون أي دور لعجوز الإخوان في تسلق الحراك الشعبي"، خاصة أنه "كان من المروجين مع أتباعه لفكرة إسقاط النظام"، وهو ما اعتبره متابعون "خطراً على مستقبل دولة تبقى هشة برغم كل ما يحدث وما يجب أن يتغير"، وهو ما يعني بحسبهم أيضا "نية جاب الله المبيتة في الاستيلاء على الحكم ولو على جثث الجزائريين، كما فعلت الجبهة الإسلامية للإنقاذ الإخوانية في تسعينيات القرن الماضي".

اجتماع المعارضة الجزائرية

في مقابل ذلك، أجمع محللون على تأكيد أن قرارات بوتفليقة الأخيرة "جنبت البلاد الدخول في مرحلة أسوأ من مرحلة التسعينيات بالنظر إلى المخاطر التي تحيط بالجزائر من حدود ملتهبة وإقليم غير مستقر ومحاولات سابقة ومتجددة لإغراق البلاد في الفوضى" كما ذكر عدد منهم في تصريحات لـ"العين الإخبارية".

قراءات تقاطعت مع التصريحات الأخيرة لمسؤولين جزائريين، اعترفوا من خلالها بـ"حساسية وخطورة الوضع في البلاد"، فيما رحب الائتلاف الحاكم بقرارات بوتفليقة واعتبرها "استجابة لمطالب الشعب".

كما رحبت واشنطن وباريس وموسكو بخارطة الطريق التي قدمها بوتفليقة، وأعربت عن دعمها لحل الأزمة السياسية بالحوار، في وقت يقابل الجزائريون تعليقات العواصم الغربية على ما يحدث في بلدهم بـ"الرفض"، وهو ما ظهر في لافتاتهم الكثيرة التي برزت الجمعة الماضي جنباً إلى جنب مع لافتات "لا للعهدة الخامسة"، التي دعوا فيها باريس وواشنطن بالتحديد إلى "عدم التدخل في مسألة عائلية".

ورغم تباين ردود الفعل والمواقف في الجزائر، فإن المؤكد بحسب المتابعين لتطورات المشهد السياسي هو أن "الجزائريين عادوا إلى ممارسة حقهم وواجبهم الذي يقره دستورهم، وبات مع ذلك نجاح أو تطبيق أو تمرير أي قرار مرتبط بمدى قبول أو رفض الشارع له".

جزائريون يرفضون التدخل الخارجي

وأكد مراقبون لـ"العين الإخبارية" أن ما تعيشه الجزائر ناجم "عن تراكمات أكثر من عشرية كاملة، أبرزها قضايا الفساد التي تفجرت بعد غياب بوتفليقة عن المشهد قبل 7 سنوات، وحديث مسؤولين باسم الرئيس بشكل استفز الجزائريين، إضافة إلى محيطه الذي عمل على تشويه صورته وتاريخه، من خلال خلق شبكة مصالح حاولت ترشيحه للاستمرار في مصالحها، والأزمة الاقتصادية التي أثرت بشكل كبير على القدرة الشرائية للجزائريين التي انهارت بـ50% منذ بدأها في 2014".

كما أن المؤكد بحسب كثيرين هو أن المظاهرات السلمية "التي أذهلت العالم" كما ذكرت صحف أمريكية، تؤكد رفض الجزائريين تكرار سيناريو العشرية السوداء، وتجلى ذلك في لافتاتهم التي عبَّرت عن رفضهم أن تكون "ملونة سياسياً ولأي دور للأحزاب السياسية في حراكهم السلمي المطالب بالتغيير".

جزائريون يرفضون ركوب المعارضة حراكهم السلمي

تعليقات