اقتصاد

الجزائر 2018.. السنوات العجاف في مواجهة "معركة التصدير" المرتقبة

الجمعة 2018.12.28 04:50 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 538قراءة
  • 0 تعليق
اقتصاد الجزائر في 2018

اقتصاد الجزائر في 2018

أجمع خبراء الاقتصاد وكبار المسؤولين في الجزائر على أن 2018 كانت "مجرد رقم جديد" ضمن مسلسل الأزمة الاقتصادية الأشد في تاريخ البلاد، وأنها السنة الرابعة على التوالي التي شهدت تطبيق إجراءات تقشفية صارمة.  

حظر الاستيراد 

استقبل الجزائريون سنة 2018 بارتفاع كبير في مختلف أسعار السلع، وذلك على خلفية قرارات حكومية بحظر استيراد نحو 900 سلعة، من ضمنها الأجهزة المنزلية والأثاث والخضراوات واللحوم والأجبان والفواكه والشوكولاتة والمعجنات والمكرونة والعصائر والمياه المعبأة ومواد البناء.

بررت الحكومة الجزائرية خطوتها بخفض فاتورة الواردات التي فاقت 40 مليار دولار مع نهاية 2017، من بينها 10 مليارات دولار قيمة فاتورة المواد الغذائية.

تلك الخطوة أثارت استهجان شركاء الجزائر الأوروبيين الذين انتقدوا بشدة تراجع حجم التبادل التجاري مع الجزائر، الذي يبقى رغم ذلك لصالح الدول الأوروبية، فيما ردت الجزائر على انتقاد الأوربيين بطمأنتهم بأن القرار "مؤقت".

وذكَّرت شركاءها الأوروبيين بأحد بنود اتفاق الشراكة بين الجانبين، الذي يجيز لأحد الطرفين اتخاذ إجراءات استعجالية لحماية اقتصاده، ولإحداث التوازن في الموازنة العامة.

وبعد ستة أشهر من تطبيق الحظر، قررت الحكومة الجزائرية التراجع عنه نهاية شهر يوليو الماضي، لكنها فرضت إجراءات أخرى رفعت بموجبها الرسوم الجمركية على السلع المستوردة ما بين 30 و200 %.

ورغم ذلك، تراجعت واردات الجزائر في الـ 11 شهرا الأولى من 2018 بنحو 776 مليون دولار "فقط" أي ما نسبته (- 1.84%) مقارنة بالفترة نفسها من 2017، لتستقر عند 41.371 مليار دولار.

سنة إعادة طبع النقود

حدة الأزمة الاقتصادية أجبرت حكومة أحمد أويحيى على تعديل قانون النقد والقرض، بشكل يسمح لبنك الجزائر إعادة طبع ما قيمته 2 مليار دولار شهرياً من النقود.

ورغم تحذيرات صندوق النقد الدولي والخبراء الاقتصاديين من خطورة تطبيق هذا النمط من التمويل في "اقتصاد غير منتج"، أرجعت الحكومة الجزائرية سبب لجوئها إلى التمويل غير التقليدي "لإعادة توازن المالية العمومية وتوازن ميزان المدفوعات وتفادي الاستدانة الخارجية، وتوجيه شطر منها لتمويل مشاريع التنمية في البلاد"، رغم توقيف عدد كبير منها بسبب الأزمة الاقتصادية.

وآخر ما كشفت عنه الجزائر بخصوص هذا النمط، ما ذكره محافظ بنك الجزائر محمد لوكال، الأحد الماضي، عندما صرح أمام نواب البرلمان الجزائري بأن قيمة التمويل غير التقليدي الذي شرع في تطبيقه نوفمبر/تشرين الثاني 2017 أصبحت تمثل 28% من الناتج الداخلي الخام، الذي فاق 34 مليار دولار، وجهت لتغطية العجز المالي للخزينة العمومية ولتمويل الدين العمومي.

غير أن اللافت، بحسب خبراء اقتصاديين، هو الاستقرار الذي شهدته معدلات التضخم في الجزائر طوال الأشهر الـ11 من 2018، واستقرت في شهري أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني عند 4.5%.

فيما سجل يناير/كانون الثاني الماضي أعلى نسبة للتضخم في 2018 بالجزائر وبلغ 5.2% ليبدأ في الانخفاض اعتباراً من شهر فبراير/شباط، حيث وصل إلى 4.9%.

واستمر انخفاض نسبة التضخم على أساس سنوي في الجزائر إلى شهر مايو/أيار حين وصلت إلى 4.4%، وتبدأ في الصعود مرة أخرى اعتباراً من شهر يونيو/حزيران، ووصلت إلى 4.6%.

فيما تتوقع الحكومة الجزائرية أن ينتهي عام 2018 بنسبة تضخم سنوي تصل إلى 5.5%، و4.5% مع نهاية 2019، في حين يتوقع صندوق النقد الدولي أن تكون نسب التضخم أعلى من توقعات الحكومة الجزائرية، وتوقع أن تصل إلى 6.5% مع نهاية العام الحالي، و6.7% مع ديسمبر/كانون الأول 2019.

ورغم كشف الحكومة الجزائرية نيتها التخلي عن تطبيق سياسة التمويل غير التقليدي مطلع 2019 أو اللجوء بدرجة أقل مما كان عليه منذ تطبيقه، فإن حديث محافظ بنك الجزائر محمد لوكال عن "ضعف التوسع المالي" قد يؤجل، بحسب الخبراء، إمكانية التخلي عن هذه السياسة المالية، وإن أقر بأن تطبيق التمويل غير التقليدي في 2018 أسهم في "صمود القطاع المصرفي للبلاد".

معدلات التضخم السنوي في الجزائر

 الفلاحة والتصدير

في كل مرة تكشف الإحصائيات الرسمية في الجزائر عن أن صادرات النفط تمثل نحو 93% من الصادرات الإجمالية للبلاد، في وقت بقيت صادراتها خارج قطاع النفط الأضعف منذ أكثر من نصف قرن، والتي لا تتعدى 1.6 مليار دولار؛ أي ما يمثل تقريباً 7% من إجمالي صادرات الجزائر. 

ومنذ بداية 2018، وضعت الحكومة الجزائرية استراتيجية جديدة تهدف إلى تنويع صادراتها بهدف خفض فاتورة الواردات وتنويع وزيادة حجم الصادرات، ومنه تخفيف الضغوط المالية الناجمة عن هبوط إيرادات الطاقة، ما يسمح "إن نجحت الحكومة الجزائرية في ذلك" بحسب الخبراء الاقتصاديين، ببداية خلق اقتصاد منتج، وممتص للصدمات الاقتصادية.

استراتيجية وصفها وزير التجارة الجزائري سعيد جلاب "بالمعركة القادمة للصادرات" في 2019، كاشفاً في السياق عن "خارطة طريق وطنية لترقية الصادرات" يشارك فيها القطاعان الحكومي والخاص.

وشرعت الجزائر، في الأشهر الثلاثة الأخيرة، في تصدير منتجات جديدة إلى أسواق عربية وأوروبية وآسيوية، خاصة ما تعلق منها بالسيراميك والحديد والفوسفات والمواد الفلاحية، وتسعى اعتباراً من يناير 2019 في تصدير منتجات أخرى، مثل الإلكترونية والكهرومنزلية والمعادن ومواد غذائية مصنعة وغيرها.

وشهد 2018 توقيع عدة اتفاقيات بين الجزائر ودول عربية وأجنبية، تهدف إلى رفع حجم التبادل التجاري معها، ومضاعفة قيمة الاستثمارات المتبادلة، في وقت تثير قوانين الاستثمار الجزائرية حفيظة عدد من الدول، خاصة ما تعلق منها بالقاعدة الاستثمارية 49/51 ومسألة التأشيرة.

قطاع الفلاحة في الجزائر قد يكون القطاع الوحيد الذي حقق قفزة استثنائية في 2018، حيث بلغت نسبة نمو القطاع الزراعي الجزائري 8.9% من أبريل/نيسان إلى يوليو/تموز الماضي، بحسب بيانات الديوان الجزائري للإحصاء، مقابل 0.7% في الفترة ذاتها من 2017.

وهي القفزة التي سمحت بارتفاع نسبة الناتج المحلي للجزائر دون قطاع المحروقات بـ2.8% خلال الفترة ذاتها، ويأتي ذلك عقب فتح الجزائر في مايو/أيار 2017 القطاع الزراعي أمام المستثمرين الأجانب ومنح امتيازات للمستثمرين المحليين، في خطوة تستهدف بالدرجة الأولى خفض واردات الغذاء، وضمان بديل اقتصادي جديد.

وتقترب قيمة الاستثمارات الأجنبية في قطاع الزراعة بالجزائر في 2018 من 2 مليار دولار، في وقت تقدر المساحة الزراعية الإجمالية في الجزائر بـ42.4 مليون هكتار، ما يمثل 18% من المساحة الإجمالية للبلاد.

موازنة الجزائر 2019

أزمة اقتصادية مرتقبة

معلوم للجميع تعامل الحكومات الجزائرية المتعاقبة "بحساسية مفرطة" مع تقارير المنظمات والهيئات المالية العالمية التي تأتي في غالبها "متشائمة" وناقدة للسياسات الاقتصادية التي تنتهجها الجزائر.

وكان آخرها، ذلك التقرير الصادر عن مجموعة الأزمات الدولية "ICG" شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، الذي حذر من "أزمة اقتصادية حادة" في الجزائر مع حلول 2019.

وربط التقرير بين ما أسماه "التوتر المحيط" بالانتخابات الرئاسية في الجزائر التي قد تُجرى في أبريل/نيسان المقبل وبين إمكانية دخول الجزائر في أزمة اقتصادية جديدة وحادة، ومما جاء فيه أن "السلطات الجزائرية تعترف بأن النموذج الحالي لم يعد صالحاً، لكنها تجد صعوبة في تصحيحه".

وانتقد تقرير مركز "إنترناشونال كرايزس غروب" للدراسات سياسة الحكومة الجزائرية الاقتصادية، واعتبر أنها "تهدف فقط إلى ربح مزيد من الوقت بسلسلة الإجراءات التي طبقتها لتقليص النفقات في الميزانية، التي لن ترى نتائجها فوراً، وسياسة مصرفية تغذي التضخم".

تقرير المنظمة غير الحكومية الذي صدر مع نهاية 2018، سبقه تصريح "مفاجئ وصادم" لوزير التجارية الجزائري السابق محمد بن مرادي شهر فبراير/شباط الماضي، والذي حذر فيه حكومة بلاده من "تعرض الجزائر لحالة إفلاس في غضون العامين أو الثلاثة المقبلة".

وقال بن مرادي، في تصريحات لوكالة الأنباء الجزائرية: "إذا لم تتخذ الحكومة إجراءات عاجلة فإنه لن يتبقى لدينا في خلال عامين أو 3 أعوام أي موارد مالية لاستيراد أي مادة بما في ذلك الحبوب، خاصة أن الجزائر فقدت في 3 سنوات نحو 50% من احتياطات الصرف".

احتياطات واصلت تآكلها للسنة الرابعة على التوالي، ووصلت إلى 82.12 مليار دولار مع نهاية نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، متراجعة بـ15.21 مليار دولار منذ نهاية 2017، فيما فاقت خسائر الجزائر في السنوات الأربع الأخيرة 159 مليار دولار.

تآكل احتياطات النقد الأجنبي

كما واصل الدينار الجزائري خسائره أمام العملات الأجنبية الرئيسية اليورو والدولار، وتراجعت قيمته منذ 2014 إلى 2018 بنحو 50 %.

وبلغ الدولار الأمريكي في التعاملات الرسمية حتى 27 ديسمبر/كانون الأول 118 دينارا جزائريا، فيما وصلت قيمة اليورو في التعاملات البنكية 135 دينارا جزائريا، في وقت بقيت الأسواق الموازية "النقطة الأكثر سواداً" في الاقتصاد الجزائري، خاصة مع حجم النقد الهائل الذي يدار بشكل غير شرعي فيها، والمقدر بين 30 و40 مليار دولار.

ومن خلال الموازنة العامة التي أقرتها الحكومة الجزائرية لعام 2019، يتضح "استبعادها فرضية الأزمة الاقتصادية الحادة في 2019"، في حين رأى خبراء اقتصاديون "أن الحكومة الجزائرية جازفت برفع نفقات التسيير مقارنة بالسنوات الماضية".

وأقرت حكومة أحمد أويحيى ميزانية "أقل تقشفاً" في السنوات الأربع الأخيرة، ورصدت لها 72.10 مليار دولار، من بينها 42.10 مليار دولار نفقات تسيير، متوقعة نسبة نمو تقدر بـ2.6% ومعدل تضخم بـ4.5%، وعجزاً في الموازنة بنحو 16 مليار دولار.

ووسط كل ذلك، تلتقي تصريحات مسؤولي الحكومة الجزائرية وتوقعات الخبراء عند نقطة واحدة، وهي أن 2019 "لن تكون سهلة على الاقتصاد الجزائري وعلى القدرة الشرائية للمواطن التي تراجعت بـ50% منذ بدء الأزمة الاقتصادية"، خاصة في ظل الضبابية التي تسود المشهد السياسي للبلاد، والذي يلقي بظلاله في كل مرة على مؤشرات الاقتصاد الجزائري "المحكوم بتأثيرات السياسة".

تعليقات