استعرض وزير المالية اللبناني، ياسين جابر، ملامح الخطة الاقتصادية والمالية للبنان لعام 2026، كاشفاً عن تفاصيل "قانون الفجوة المالية" ومساعي الدولة للخروج من القائمة الرمادية، وإعادة بناء المؤسسات العامة في ظل التحديات الإقليمية الراهنة.
وفي لقاء خاص مع هادلي غامبل، كبير مذيعي IMI الدوليين، أعرب جابر عن أمله في أن يكون عام 2026 عاماً جيداً للبنان والعالم، مؤكدًا بذل الحكومة قصارى جهدها لتحقيق نمو اقتصادي ملموس، حيث أعلن عن تقديم ميزانية متوازنة إلى البرلمان يُتوقع إقرارها بنهاية يناير/كانون الثاني كحد أقصى.
استراتيجية الإيرادات
وأوضح أن الاستراتيجية الحكومية الحالية ترتكز على تحسين الإيرادات من خلال تفعيل التحصيل في قطاعات الجمارك والضرائب، والعمل على إعادة بناء واستعادة كفاءة جميع المؤسسات العامة.
وأشار إلى أن الخطة تهدف إلى إظهار الجدية الكاملة للامتثال الدولي وإعادة لبنان كدولة قابلة للحياة تحترم القواعد الدولية، مع التركيز المكثف على مكافحة الاقتصاد النقدي لإخراج البلاد من "اللائحة الرمادية" وتجفيف منابع الاقتصاد القائم على "الكاش".
وحول وصف بعض المسؤولين الأمريكيين للبنان بـ"الدولة الفاشلة"، لم ينكر الوزير الصعوبات التي تواجهها الدولة، لكنه رفض التسمية، مؤكداً أن الهدف الأساسي هو إعادة الدولة إلى مسارها الصحيح.
الترابط الإقليمي والدور السوري
وفيما يخص قطاع السياحة والترابط الإقليمي، أوضح جابر أن عام 2025 كان عاماً جيداً نسبياً من حيث الإيرادات، إلا أنه اعتبر موسم رأس السنة "غير كافٍ" رغم امتلاء الفنادق، مبيناً أن لبنان يحتاج لاستدامة سياحية تتجاوز الأسابيع القليلة.
وضمن رؤيته للعمق العربي والآفاق الجديدة، أشار إلى أن لبنان يسعى لجذب السياح من الخليج وأوروبا ومصر والأردن وسوريا والعراق، مشدداً على أهمية الممر الاستراتيجي الذي يربط لبنان بسوريا والعراق وصولاً إلى الخليج، حيث تُعد سوريا المنفذ الأساسي لهذا الترابط.
وأشاد جابر، بالتعاون مع الحكومة السورية الجديدة ووزير ماليتها، مؤكداً أن سوريا المستقرة والمزدهرة تمثل مصلحة مباشرة للبنان وليست منافساً له.
الرقابة على "الأموال غير المشروعة"
أما عن الوضع المالي وحزب الله، ورداً على التساؤلات حول تراجع القوة المالية للحزب بالتوازي مع تراجعه العسكري المفترض بنسبة 40% وفق تقارير، فقد نأى الوزير بنفسه عن التدخل في شؤون الأحزاب، مؤكداً أن تركيزه ينصب على "الدولة" فقط.
وأوضح أن الحكومة تعمل جاهدة للحد من تدفق الأموال غير المشروعة عبر مكافحة الاقتصاد النقدي لمنع انزلاق البلاد نحو "القائمة السوداء". وعن الدور الفنزويلي في التمويل، أشار إلى أنه لا يملك معطيات مؤكدة حول تأثير التغيرات السياسية هناك على لبنان في الوقت الحالي.
خطة استعادة الودائع
وفصل الوزير جابر مسودة "قانون الفجوة المالية" المعروضة على البرلمان، واصفاً الأزمة اللبنانية بـ "المعضلة الثلاثية" التي تشمل تعثر النظام المصرفي، والمصرف المركزي، والدولة التي تخلفت عن السداد.
وتتضمن خطة استعادة الودائع منح الأولوية لصغار المودعين الذين يمثلون 84% من إجمالي المودعين، وهم الذين تقل حساباتهم عن 100 ألف دولار، وفقاً لمفاوضات صندوق النقد الدولي.
وأوضح أنه سيتم تأمين السيولة من خلال حوالي 8 مليارات دولار من الاحتياطي الإلزامي في المصرف المركزي، بينما سيتقاسم القطاع المصرفي والمصرف المركزي بدعم من الدولة الـ18 مليار دولار المتبقية، على أن يتم تنفيذ عملية الدفع على مدار 4 سنوات تزامناً مع تحقيق النمو الاقتصادي.
ولفت وزير المالية اللبناني، أن قرار الاقتراض بضمان احتياطي الذهب يعود حصراً لمجلس النواب، مشيراً إلى وجود معارضة كبيرة لهذه الفكرة حالياً.
التدقيق الدولي
وفي سياق التدقيق والمحاسبة، نفى الوزير بشدة أن تقوم المصارف بتدقيق نفسها، مؤكداً أن القانون ينص على تعيين مدققين دوليين لمراجعة جودة الأصول وفق المعايير الدولية، وسيشمل التدقيق فحص الشذوذات المالية والتحويلات التي سبقت الانهيار، والفوائد المرتفعة بعد عام 2016، ونتائج الهندسات المالية.
وأشار إلى أن القانون ينص على فرض غرامات تصل إلى 30% على الأموال التي حُوّلت بشكل غير قانوني كنوع من المساءلة السلوكية، مع ترك المسائل الجنائية للقضاء الذي بدأ بالفعل بالتحرك، مستشهداً بحالة حاكم المصرف المركزي السابق الذي خضع للسجن والمنع من السفر.
مستقبل الليرة اللبنانية
وبالنسبة للإصلاحات النقدية والعلاقات الدولية، أكد الوزير أنه لا توجد نية حالية لحذف أصفار من الليرة اللبنانية نظراً للاستقرار النسبي الحالي ودولرة الاقتصاد الواسعة، مضيفًا أن الاتفاق مع صندوق النقد هو مصلحة وطنية عليا تشبه "علاج المريض"، وليس مجرد تلبية لمطالب خارجية.
وكشف أن الموفدة الأمريكية "مورغان أورتاغوس" غير منخرطة حالياً في تفاصيل القانون المالي الجديد، حيث تتركز المباحثات مع المؤسسات الدولية، مؤكدًا أن الحكومة لا تدعي النجاح المطلق بل تعمل بجدية تامة.
واعتبر جابر، أن سيطرة الجيش اللبناني جنوب الليطاني وتمرير القوانين الإصلاحية يمثلان الرسالة الأقوى للمجتمع الدولي بأن لبنان يتحرك للأمام لاستعادة ثقته ونظامه المصرفي، على غرار تجارب التعافي في اليونان وقبرص.