سياسة

احتجاجات الجزائر.. من شرارة أكتوبر 1988 إلى حراك مارس 2019

السبت 2019.3.9 09:26 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 540قراءة
  • 0 تعليق
الحراك الشعبي في الجزائر خلال 57 عاما

الحراك الشعبي في الجزائر خلال 57 عاما

عقب نيل الجزائر استقلالها في 5 يوليو/ تموز 1962، تولى حكم البلاد جيل الثورة التحريرية من رؤساء وكبار المسؤولين، وهو ما اصطلح عليه بـ"الجيل الأول" أو "الجيل المؤسس للجزائر الحديثة".

أما الجيل الثاني فهو جيل الاستقلال، تولى بعض منهم مناصب المسؤولية، وشكّل غالبيتهم نواة اقتصاد الجزائر في مختلف القطاعات، ثم جاء الجيل الثالث في تسعينيات القرن الماضي الذي خرج من رحم ما يعرف في الجزائر بـ"العشرية السوداء" الدامية.

وبين الأجيال الثلاثة، عرف نظام الحكم في الجزائر ومعه المشهد السياسي تطورات كثيرة، عاشت معها الجزائر هزات سياسية تباينت ارتداداتها بين الانتقال إلى عهد جديد من التعددية السياسية والديمقراطية إلى تغير المشهد من "فرحة عرس ديمقراطية لم تكتمل إلى مأتم جماعي" كما حدث في التسعينيات التي شهدت انتعاشة للإرهاب الأسود، وهي المحطة الأكثر خطورة وبروزاً في تاريخ الجزائر الحديث، ثم إلى مرحلة استعادة الأمن في عهد الرئيس الحالي عبدالعزيز بوتفليقة الذي يعيش (عهد بوتفليقة) مؤخراً على وقع مظاهرات ضخمة رافضة منحه 5 سنوات أخرى غير العشرين التي حكم فيها البلاد.


وطوال الـ57 عاماً من عمر الجزائر المستقلة، شهدت البلاد حراكاً شعبياً تنوعت مطالبه ما بين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

تستعرض "العين الإخبارية" في هذا التقرير أبرز المظاهرات الشعبية التي حركت ركود المشهد السياسي طوال هذه الفترة من عمر الجزائر.

مظاهرة حاشدة في الجزائر ضد ترشح بوتفليقة لولاية خامسة

أحداث 5 أكتوبر 1988

قبل هذا التاريخ، لم يتوقع العالم خروج آلاف الجزائريين ضد نظام الحزب الواحد (حزب جبهة التحرير الوطني) للمرة الأولى بعد ربع قرن من حكمه للجزائر، وهي الأحداث التي اصطلح على تسميتها بـ"ربيع الجزائر" في عهد الرئيس الأسبق الراحل الشاذلي بن جديد (1979 – 1992)، التي غيرت في تاريخ الجزائر، وأحدثت القطيعة مع نظام الحزب الواحد.

بداية الأحداث انطلقت يوم 25 سبتمبر/أيلول 1988، مع نقابة الشركة الجزائرية للسيارات الصناعية (شركة حكومية) المعروفة بـ"سوناكوم"، عقد خلالها مسؤولوها اجتماعاً طارئاً ونددوا خلاله بتفشي الفساد في الشركة وفي البلاد.

وفي 4 أكتوبر/تشرين الأول، خرج عشرات الجزائريين في الجزائر العاصمة، في مظاهرات نادرة الحدوث في البلاد، ووقعت مناوشات مع قوات الأمن الجزائرية.

مناوشات كانت كافية لإخراج المئات من الجزائريين في العاصمة ومدن أخرى في 5 أكتوبر/تشرين الأول، واستهدف المتظاهرون الغاضبون كل ما يرمز للدولة الجزائرية، خاصة مقرات الحزب الواحد ومقرات حكومية وأمنية، لتعلن الحكومة فرض حضر التجول ليلاً في العاصمة، وتقرر نشر حوالي 10 آلاف جندي بها وفي محيطها.

أحداث 5 أكتوبر 1988 بالجزائر

وبحسب الإحصائيات الرسمية، فقد خلفت الأحداث مقتل 120 شخصاً وتوقيف 15 ألف شخص، فيما أشار نشطاء سياسيون وحقوقيون إلى أن عدد القتلى وصل إلى 500 شخص.

وحمل المتظاهرون شعارات مطالبة بتحسين ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية، بعد أن دخلت الجزائر في أزمة اقتصادية عقب الأزمة البترولية لسنة 1986، والتي أفقدت الاقتصاد الجزائري توازنه، خاصة أنه كان يعتمد على 98% على عائدات المحروقات وما زال كذلك إلى يومنا.

الرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد مع رئيس وزرائه ومدير المخابرات

انعكست خلالها الأزمة النفطية العالمية على القدرة الشرائية للمواطن الجزائري، وسجلت أسعار مختلف السلع ارتفاعاً قياسياً، وارتفعت نسب البطالة في البلاد إلى مستويات قياسية فاقت الـ25 %، بعد أن قررت الحكومة إغلاق عدد كبير من المصانع والشركات، معلنة إفلاس اقتصاد البلاد الذي كان ينتهج الاشتراكية كنظام اقتصادي.

أحداث 5 أكتوبر 1988 بالجزائر

في 10 من الشهر نفسه، ألقى الرئيس الجزائري بن جديد أشهر خطاب منذ توليه الحكم، وأعلن عن أول إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية في تاريخ هذا البلد العربي، ليهدأ الشارع، ويُفسح المجال لإقرار أول دستور جزائري ينهي حكم الحزب الواحد، ويقر التعددية السياسية والإعلامية في البلاد.

أحداث 5 أكتوبر 1988، ورغم أنها شكلت منعرجاً حاسماً في تاريخ الجزائر، إلا أن مطالب المتظاهرين خلالها لم تكن سياسية بل اقتصادية واجتماعية محضة، واعترف الرئيس الحالي عبدالعزيز بوتفليقة بعد توليه سدة الحكم سنة 1999 بأن ما حدث في ذلك الوقت كان "ثورة شعبية".

الرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد

العشرية السوداء

بعد إقرار التعددية الحزبية، طفى إلى الساحة السياسية في الجزائر أكثر من 60 حزباً سياسياً "دفعة واحدة"، كان من أبرزها "الجبهات الثلاث"، وهي الجبهة الإسلامية للإنقاذ الإخوانية، وجبهة القوى الاشتراكية، وجبهة التحرير الوطني، بالتزامن مع إصدار عشرات الصحف الخاصة.

وفي يونيو 1990 نُظمت في الجزائر أول انتخابات محلية تعددية لانتخاب المجالس البلدية والولائية، فازت خلالها الجبهة الإسلامية للإنقاذ الإخوانية بـ853 بلدية من أصل 1539 و32 محافظة من أصل 48.

وفي يناير/كانون الثاني 1992، جرت أول انتخابات برلمانية تعددية في البلاد، حصلت خلالها أيضاً الجبهة الإخوانية على 188 مقعداً، فيما جاء حزب جبهة القوى الاشتراكية ثانياً بـ26 مقعداً، واكتفى حزب جبهة التحرير الوطني بـ15 مقعداً.

شعارات الجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحلة

وبين التاريخين، أدخلت الجبهة الإسلامية للإنقاذ مفاهيم جديدة إلى المشهد السياسي الجزائري، وباتت المساجد منابر للتحريض على الدولة الجزائرية، ولتنظيم حملاتها الانتخابية، مستعملة خطاباً متطرفاً لم يتعود الجزائريون على سماعه.

حاولت الجبهة الإخوانية الضغط على حكومة مولود حمروش بالاعتصامات والعصيان المدني والمسيرات في مختلف المدن الجزائرية، مستغلة غضب الجزائريين من سياسات الحزب الحاكم، واستعملت خلالها خطاباً دينياً "دغدغت به مشاعر الجزائريين"، تمكنت خلاله من استقطاب آلاف الجزائريين.

بعد فوزها بأغلبية مقاعد البرلمان، تغير خطاب الجبهة الإخوانية، وانتقلت من المطالبة بالمزيد من الديمقراطية إلى "الدعوة لتأسيس دولة إسلامية"، "كفّرت" خلالها كل من يخالفها الرأي، وهدد قادتها بحمل السلاح ضد الحكومة.

إرهابيو الجبهة المنحلة

وبعد تطور الأحداث، أعلن الجيش الجزائري في 12 يناير/كانون الثاني وقف العملية الانتخابية، وألغى نتائج الانتخابات البرلمانية، واستقال الرئيس الشاذلي بن جديد، وأُسند الحكم للمجلس الأعلى للدولة، وتقرر حل الجبهة الإسلامية للإنقاذ وسجن قادتها عباسي مدني وعلي بلحاج، وتصنيف الجبهة الإخوانية "منظمة إرهابية"، وفرض حالة الطوارئ في البلاد.

صعدت الجبهة الإخوانية من تحريضها وعدائيتها ضد الدولة الجزائرية والجيش الجزائري، بعدما أظهرت شهادات جزائريين شاركوا في تنظيم الانتخابات البرلمانية بطلان فوز الجبهة الإخوانية؛ حيث نتج الفوز الوهمي عن "حدوث عمليات تزوير واسعة النطاق في مختلف المحافظات الجزائرية من قبل أتباع الجبهة الإخوانية، واستعملوا في ذلك التهديد بالسلاح في كثير من مكاتب التصويت للمواطنين للتصويت على مرشحيها".

واعتبرت خلالها كثير من الأحزاب والشخصيات السياسية الجزائرية أن إلغاء المسار الانتخابي في ذلك الوقت، جنب الجزائر كارثة أكبر من كارثة "العشرية السوداء"، بعد أن تكشّف مخطط العنف وأجندة الإرهاب للجبهة الإخوانية، التي أظهرت الأحداث أن تأسيسها سنة 1989 لم يكن بجناح سياسي فقط، بل بجناح عسكري في الجبال، تلقّى التمويل العسكري والمالي من جهات خارجية، منتظراً ساعة الصفر للاستيلاء على الحكم في البلاد.

دخلت الجزائر خلال تلك الفترة أسوأ وأخطر مرحلة سياسية وأمنية في تاريخها، وأعلنت الجبهة الإخوانية الحرب على الجزائريين والأمن، واعترفت بنهجها الإرهابي، وارتكبت مجازر بشعة واغتالت آلاف الجزائريين، وتسببت الأزمة في مقتل أكثر من 250 ألف جزائري، وخسائر اقتصادية قدرتها الجهات الرسمية في البلاد بأكثر من 40 مليار دولار.

ضحايا العشرية السوداء في الجزائر

احتجاجات 2011

بالتزامن مع بداية الأحداث التي شهدتها المنطقة مطلع عام 2011 أو ما يعرف بـ"الربيع العربي"، خرج مئات الجزائريين في مظاهرات شعبية بالجزائر العاصمة ومدن أخرى في يناير/كانون الثاني 2011، محتجين على ارتفاع أسعار المواد الغذائية خاصة مادتي السكر والزيت النباتي.

فيما انتقدت المعارضة الجزائرية ما أسمته "غلق بوتفليقة للعبة السياسية" ودعت إلى إجراء إصلاحات سياسية عاجلة.

عُرفت تلك الأحداث بـ"احتجاجات السكر والزيت"، واتهمت الحكومة الجزائرية أطرافاً لم تسمها بافتعال الأزمة من خلال رفع الأسعار لإخراج الجزائريين إلى الشارع وإسقاط نظام بوتفليقة.

تطورت الأحداث، وأقدم عدة جزائريين على إضرام النار في أجسادهم بشكل منفصل؛ احتجاجاً على أوضاعهم المعيشية على طريقة البوعزيزي في تونس، وانتقلت موجة الاحتجاجات إلى مختلف المدن الجزائرية، وأعلنت عدة نقابات عن إضرابات شاملة، ووصل ذلك إلى مقر الرئاسة الجزائرية، بعد أن أعلن موظفوها إضراباً شاملاً، وخرج آلاف الجزائريين في مظاهرات منددة بغلاء الأسعار ومطالبة بإصلاحات اقتصادية وسياسية.

احتجاجات 2011 في الجزائر

وخلّفت تلك الأحداث التي استغرقت 3 أشهر كاملة، مقتل أكثر من 50 شخصاً وتوقيف أكثر من 200، لتعلن الحكومة الجزائرية في يناير 2011 إلغاء حالة الطوارئ للمرة الأولى.

وخرج الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة في 15 أبريل/نيسان، بخطاب إلى الشعب الجزائري، أعلن خلاله عن إجراءات جديدة، تتضمن إصلاحات سياسية تضمن مراجعة قانون الانتخابات وتعديل الدستور.

خطاب الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في 2011

مظاهرات 2019

عقب إعلان الرئيس الجزائري الحالي عبدالعزيز بوتفليقة البالغ من العمر 82 عاماً ترشحه للانتخابات الرئاسية المقررة في 18 أبريل/نيسان المقبل، خرج مئات آلاف الجزائريين في مظاهرات سلمية حاشدة في مختلف مناطق البلاد، مناهضة لترشحه لولاية خامسة.

مظاهرات سلمية بدأت بالعشرات ثم بالآلاف إلى أن وصلت الأعداد إلى مئات الآلاف، بحسب وسائل الإعلام الجزائرية، كانت الأضخم في تاريخ الجزائر الحديث، ولم يسبق أن خرجت هذه الأعداد من الجزائريين بمختلف شرائح المجتمع، حاملين مطالباً سياسية أبرزها عدول بوتفليقة عن الترشح وتغيير الوضع السياسي في البلاد.

الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة

ما ميز مظاهرات فبراير/شباط ومارس/آذار في الجزائر بحسب المراقبين، عدم تلونها السياسي، ورفضها أن تكون تابعة لأي حزب أو تيار سياسي، وهو ما ظهر في اللافتات الكثيرة التي حملها الجزائريون في مظاهراتهم.

ويعزو المراقبون أسباب انتفاضة الجزائريين ضد ترشح بوتفليقة لولاية خامسة، إلى تراكمات السنوات الأخيرة، من بينها "ضعف البرلمان وممثلي الشعب فيه، وقضايا الفساد، وغياب المعارضة عن هموم الجزائريين، وفضيحة حجز 701 كيلوجرام من الكوكايين، وقضية إغلاق مقر البرلمان بقفل حديدي، وحديث مسؤولين جزائريين باسم رئيس البلاد، والأزمة الاقتصادية التي دخلت عامها الخامس والتي ألقت بظلالها على القدرة الشرائية للجزائريين وعلى أسعار مختلف السلع".

مظاهرات في الجزائر ضد ترشح بوتفليقة لولاية خامسة

وخلفت المظاهرات وفاة شخص واحد وجرح 305 أشخاص، وأوقف الأمن الجزائري 240 "مخرباً"، في وقت يبقى الغموض يطبع المشهد السياسي في الجزائر حول الوضع الصحي للرئيس المنتهية ولايته، ومستقبل ترشحه للرئاسيات في ظل وضعه الصحي الذي تضاربت الأنباء حول خطورته، والموجود منذ 20 يوماً في جنيف للعلاج.

مظاهرات في الجزائر ضد ترشح بوتفليقة لولاية خامسة


تعليقات